أبعد من قرار إقالة قائد القوات الاميركية في افغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال وتعيين الجنرال ديفيد بترايوس خلفاً له، هو ما كشف عنه هذا الحدث المفاجئ من مأزق اميركي حقيقي بعد تسع سنين من الحرب في هذا البلد، وهي مرشحة بعد فيتنام لتصير أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة.
فماكريستال تمت الاستعانة به في افغانستان قبل عام خلفاً للجنرال ديفيد ماكرنين الذي أخذت عليه القيادة السياسية في اميركا انه مسؤول عن الاساءة الى سمعة الولايات المتحدة في صفوف الافغان بسبب تسرعه في اتخاذ قرارات بشن عمليات عسكرية نجمت عنها خسائر فادحة بين المدنيين الافغان مما انعكس تزايداً في نقمة المواطنين الافغان العاديين ضد القوات الاجنبية.
وجيء بماكريستال على اساس انه صاحب قصة نجاح في العراق، وإليه يعزى التقدم الامني الذي حققته خطة بغداد ومنطقة الانبار منذ 2007 عندما انحسر نسبياً نفوذ "القاعدة" نتيجة انشاء مجالس الصحوة في المناطق السنية من العراق وتغيير ولاء الكثير من المقاتلين السنة من التنظيم الاصولي الى ما بات يعرف بقوات الصحوة التي اعلنت ولاءها للقوات الاميركية.
وبناء على سجله، كان ماكريستال من بين واضعي استراتيجية اوباما في افغانستان القائمة على زيادة القوات وشن هجمات لاستعادة المناطق التي سيطرت عليها "طالبان" في الاعوام الاخيرة ومن ثم ارغام الحركة بعد الحاق سلسلة من الهزائم العسكرية بها على القبول بالجلوس الى طاولة المفاوضات، الامر الذي يسمح للقوات الاميركية ببدء الانسحاب من افغانستان اعتباراً من تموز 2011.
بيد ان هذه الاستراتيجية التي تطبق منذ أشهر، ووجهت بكثير من العراقيل. فالهجوم الذي شن على مرجاه في ولاية هلمند سار ببطء شديد. وتمكنت "طالبان" من الانسحاب من امام "المارينز" ومن ثم بدء هجمات كر وفر على القوات الاميركية والاطلسية. كما ان الهجوم الذي تستعد له القوات الاميركية والاطلسية على ولاية قندهار المعقل الرئيسي لـ"لطالبان" في الجنوب لم يكتمل بعد نظراً الى الحاجة الى أعداد كبيرة من القوات.
كما واجهت الاستراتيجية الاميركية عقبة اساسية تمثلت في إحجام حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الاطلسي عن ارسال المزيد من القوات لمساندة القوات الاميركية. ليس هذا فحسب، بل ان عدداً من الدول المساهمة بقوات بدأت تحدد مواعيد للخروج من هذا البلد على غرار ما فعلت الولايات المتحدة نفسها.
وزاد في التعقيدات ارتفاع الخسائر البشرية للقوات الاميركية والاطلسية مع وصول التعزيزات الجديدة. وكان حزيران الشهر الاكثر دموية للقوات الاجنبية منذ الاحتلال الاميركي عام 2001. ويضاف الى ذلك الفساد المستشري في اوساط الحكومة الافغانية وما يؤدي اليه من نقمة شعبية على الحكومة وعدم تجاوب مع جهودها لتأييد الحملات العسكرية على "طالبان".
كل هذه العوامل ولّدت الاحباط لدى ماكريستال ودفعته الى الاستخفاف بالقيادة السياسية في واشنطن. ويبقى الدافع الاساسي الى اليأس من افغانستان، هو انها حرب بلا أفق، فالرهان على تحقيق انتصار عسكري على "طالبان" بات فكرة غير قابلة للتحقيق حتى في رأي معظم القادة الميدانيين.
واميركا هي الان في وضع أصعب من وضع الاتحاد السوفياتي السابق في الثمانينات من القرن الماضي. فهي تعلم ان الحكومة الافغانية غير قادرة على الصمود امام "طالبان" في حال انسحاب القوات الاميركية الان او على المدى المنظور او المتوسط. في حين ان البقاء هناك ترتفع كلفته البشرية والمادية من دون ان تلوح في الافق أية مخارج من الطريق المسدود. قال ماكريستال كلمته ومشى. وأتخذ اوباما قراراً بإقالته. لكن ذلك لن يخرج اميركا من الورطة.
"النهار"




















