لم أفاجأ بما أكده النائب الاقتصادي عبد اللـه الدردري خلال زيارته التي قام بها إلى محافظة دير الزور بأن "نتائج الخطة الخمسية العاشرة أو حتى التي تليها لا يمكن لمسها على أرض الواقع في جميع القطاعات بشكل مباشر ما لم تقترن هذه الخطة بعامل الزمن الذي يتيح خلق هذه الإمكانية، إذ ليس من المعقول أن نبحث عن نتائج الخطة الخمسية العاشرة المنعكسة على أرض الواقع في قطاع التعليم أو الصحة على سبيل المثال إلا بعد مرور الوقت المناسب لملامستها"
كذلك لم أفاجأ بقوله " أن الخطة الخمسية العاشرة وضعت المفاتيح الصحيحة في أماكنها الصحيحة وهذا ما سيجعلنا أمام نتائج مستقبلية لا بد أن تكون ملموسة ومباشرة"!
لم أفاجأ بقول النائب الإقتصادي وما وسيقوله لأنه يعرف تماما النتائج الكارثية لسياسات فريقه الإقتصادي وأي مواطن أمي يشرح بالتفصيل ماأصاب اسرته خلال سنوات الخطة الخمسية العاشرة وبالتالي لماذا يتذاكى الدردري علينا ويستغبينا ويطلق رأيه المفاجئ في محافظة نائية لم تنعم اساسا بخيرات الخمسية العاشرة وهو رأي يناقض أقواله السابقة المتفاخرة بالإنجازات الحكومية في السنوات الماضية!
يبرر الدردري مايقوله بعبارات هزيلة لامعنى لها وهو متقصد تماما استغباء السوريين .. وإلا ما معنى هذه العبارة " الخطة أياً كانت إنما هي سلسلة في منظومة تهدف على المدى البعيد أو القريب إلى تكامل التنمية والوصول إلى أفضل النتائج المستندة على الدراسات الحقيقية، ووجود استثمارات خاصة بمبالغ مكافئة تماماً لاعتمادات الخطة القادمة وحينها فقط يمكن التحدث عن أرقام عالية وتغييرات واضحة جداً، إذ ليس من المعقول أن ننتقل بشكل مباشر من الفقر إلى حالة الغنى، أو من حالة البطالة إلى فرص العمل المتوافرة بالكامل، أو من نسبة الأمية إلى القضاء عليها ضمن خطة واحدة، وهذا لم يرد على لسان أي جهة مسؤولة بأن نتائج الخطة الحالية ستظهر بشكل واضح على أرض الواقع مع نهايتها "!
بربكم هل فهم أحد هذا الكلام الذي يستخف بعقولنا !
بالطبع الدردري متيقن تماما أن هناك أبواقا تروّج لمقولاته وتعتبر مايصدر عنه من كلام "منزل" لايجوز التشكيك بمصداقيته .. ومن يفعل قد يتهمه الدردري على الملأ أنه "شيوعي" .. وهذا مافعله عندما انتقده أحد زملائنا في حمص خلال اجتماعه بالفعاليات التجارية فرد عليه جازما وحاسما : انت حتما شيوعي !!
ويحمل كلام الدردري عن المنطقة الشرقية إحتمالين إما انه ساذج "وهذا مستبعد" أو أنه يستغبي سكان المنطقة ".. هذا على الأقل مايوحي به قوله "أن المنطقة الشرقية حظيت بالاهتمام البالغ ضمن الخطة الخمسية العاشرة، إضافة إلى مؤهلات هذه المنطقة وما تتمتع به لتكون وجهة الاستثمار الحقيقي في القطر، بدءا من المدينة الصناعية وانتهاء بالمشروعات الطرقية مروراً بالمشافي والمدن الرياضية وغيرها"!
المضحك في الأمر أن المحافظات الشرقية التي تؤمن الإكتفاء الذاتي لسورية من القمح والنفط يستكثر عليها الدردري إقامة مدينة صناعية وطرقات ومشافي ومدن رياضية!
لانعتب على الدردري فهو لايعرف شيئا عن المناطق الشرقية إلا بعدما أصبح نائبا إقتصاديا واضطر مرغما أن يزورها بأوامر عليا ..وإلا لما فعل ذلك !
وما أضحكني أكثر فأكثر قول الدردري "أن الحديث عن حجم استثمارات حكومية في المحافظة وصل إلى 21 مليار ليرة يعني الكثير للمنطقة، حيث من الملاحظ أنه قفز إلى ثلاثة أضعافه عما كان في الخطة الخمسية التاسعة"!
السؤال : أين هذه الإستثمارات ؟!
نعرف تماما أن الحكومة كانت في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين تنفق مالايقل عن 12 مليار ليرة سنويا على مشاريع الري والإستصلاح فقط باستثناء المشاريع الإستثمارية والخدمية الأخرى .. فأين الجديد فيما يقوله الدردري ؟
الجديد أن الدردري لايعرف شيئا عن أهمية مشاريع الري والإستصلاح والزراعة ففي عهده تراجعت إنتاجية المحاصيل الزراعية ومشاريع الإستصلاح لأن شغله الشاغل كان التجار ورجال الأعمال والمستثمرين المحليين والعرب والأجانب وألغى من جدول أعماله كل ماله علاقة بالعمال والفلاحين وصغار الكسبة وعمل جاهدا ونجح في مسعاه تماما فألغى ماتبقى من "الطبقة الوسطى في سورية " لصالح الطبقة الرأسمالية الجديدة التي بدأت تطالب بمشاركة في السلطة التنفيذية!
ومع أن معظم وسائل الإعلام السورية الورقية والإلكترونية تشيد بالدردري لأنه انتهج طريقة جديدة في التعامل مع المستثمرين حيث "أعلن عن بريده الإلكتروني وفاكس مكتبه المباشر ورقم هاتفه في إشارة منه إلى رغبته الأكيدة في الوقوف عند مشاكل المستثمرين: باب مكتبي مفتوح أمام الجميع ولاسيما أمام الأموال الراغبة في الاستثمار في سورية ".. لكننا لم نقرأ حتى الآن أي انتقاد لسياسات الدردري ولماذا أبوابه وأرقام هواتفه غير مفتوحة للسوريين الذين يئنّون من سياساته الظالمة والتي تزيد من إفقارهم يوما بعد يوم ..
طبعا لانتوقع إهتماما من شحص لايعرف ماذا تعني كلمة "فقر"؟!
ونحن نوافق تماما مع ماقاله الدردري "أن المستثمر يبحث عن البنى التحتية أياً كانت المقومات الأخرى، فهي العامل الأساسي لجذب أموال المستثمرين إلى المنطقة، وأن تخفيض نسبة البطالة على سبيل المثال يحتاج إلى 45 مليار ليرة ما يعني ضرورة تأمين استثمارات محلية وعربية ودولية ضخمة وحقيقية، حيث إن معظم فائض العمالة يأتي من الزراعة لذا علينا البحث عن الحل في قطاعات أخرى تسهم في الحد من هذا الفائض، وعملياً القضية برمتها مرتبطة بكم الاستثمار، غير أنها مرتبطة قبل كل شيء بمؤهلات هذا الاستثمار وتأمين البنى التحتية المطلوبة"!
ومع أن كلام الدردري غير مفهوم تماما لكننا نرى أن المحافظات الشرقية التي توفر الأمن الغذائي من الحبوب وبمبلغ لايقل عن 60 مليار ليرة سنويا باستثناء القطن والمحاصيل الأخرى .. تحتاج فعلا إلى البنية التحتية التي تؤمن الحد الأدنى من احتياجات سكانها بغض النظر عن توفير هذه البنى لجذب المستثمرين ..وكأن الدردري يعلن : لولا المستثمرين لما اهتمت الحكومة بالبنى التحتية للمناطق الشرقية ..فهل هذا صحيح؟
لو كانت الإجابة بنعم فهذا يعني أن الفضل للأجنبي بتوفير ظروف حياة أفضل لسكان المناطق الشرقية .. وهذه إدانة مباشرة للدردري يجب أن يستجوب عليها في مجلس الشعب .. هذا إذا جرؤ المجلس على استجوابه عما فعله في اقتصاد سورية ومواطنيها "الغلابة"!
ونعود إلى ماقاله الدردري بأن "نتائج الخطة الخمسية العاشرة أو حتى التي تليها لا يمكن لمسها على أرض الواقع في جميع القطاعات بشكل مباشر ما لم تقترن هذه الخطة بعامل الزمن.. "!
ونجيبه بالقول: بل يمكن لمسها جدا جدا .. ونتحداه أن يقول العكس !!
حسنا في ظل سياساته المنحازة لكبار المستثمرين .. تدهورت الزراعة والصناعة .. وارتفعت معدلات التضخم والبطالة ..وتقلصت فرص العمل .. وتدهورت القوة الشرائية للعاملين بأجر ..وبدأت عملية تصفية القطاع العام وتقليص عدد عماله ..واستمرت أزمات المياه والكهرباء والنقل ..وارتفعت أسعار السلع الأساسية دوريا كل سنة..وتم تحرير أسعار المازوت والأعلاف والأسمدة ..ولاتزال سوق العقارات مقتصرة على الأثرياء فقط ..والمصدر ليس من إجتهادنا بل من المكتب المركزي للإحصاء.. وقد تكون الأرقام الحقيقية والفعلية أخطر من المعلنة والموثقة !
نعم هناك إستثمارات كبيرة جدا في القطاعات المالية والمصرفية والسياحية حققت نسبة نمو 5% أو أكثر حسب تأكيدات الدردري ..ولكنها نسبة نمو لاقتصاد ريعي وليس إنتاجي وبالتالي السؤال: من استفاد من هذه الإستثمارات والنمو الريعي ؟
الشريحة الوحيدة التي استفادت من الخطة الخمسية العاشرة لاتتجاوز 3% من سكان سورية .. ونحن على يقين أن الخطة الخمسية الحادية عشرة لن يستفيد منها سوى هذه النسبة أو أقل ..إذا استمر فريق الدردري بسياساته الإقتصادية المعلنة وغير المعلنة!
والأمل الوحيد للمواطن السوري .. -هذا إذا بقي له أمل- أن يحاسب المؤتمر الحادي عشر لحزب البعث الذي تأجل انعقاده لأسباب غير معلنة الحكومة عما اقترفته يداها من إفقار الشعب السوري لمصلحة حفنة من التجار ورجال الأعمال الذين لايهمهم شيئا سوى تسخير الحكومة لإصدار قرارات تزيدهم غنى وفحشا والذين يطبقون مبدأ "ومن بعدي الطوفان"!
"كلنا شركاء"




















