خلال الحديث مع زميلة صربية قبل حضور مؤتمر صحافي عقده رئيس مجلس إدارة شركة "غازبروم"، أخبرتها أنني وجدت نقاط تشابه كثيرة بين الصرب والأتراك. فكلانا يميل إلى تجنّب رؤية الأخطاء التي يرتكبها، ويلقي اللوم بدلاً من ذلك على العالم الخارجي. وفوجئت عندما أخبرتني أن مسلسلاً تلفزيونياً تركياً بثّته قناة "فوكس تي في" في صربيا المملوكة من شركة يونانية، حقّق نجاحاً كبيراً في البلاد. قالت "يشاهده الصرب ويقولون ‘انظروا كيف أن الأتراك مثلنا’". في إحدى المراحل، حقّق مسلسل تركي آخر أيضاً نجاحاً في اليونان. هل تتخيّلون ذلك؟ يمكن أن تُعجِب المسلسلات التركية المُعَدّة خصيصاً للجماهير التركية، من يعيشون في الشرق الأوسط وفي البلقان على السواء. وهذا في ذاته دليل على التنوّع الثقافي في تركيا. لكن يبدو أن رؤية رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان تقتصر فقط على العالم العربي. قال أردوغان "لا يستطيع الأتراك الاستغناء عن العرب" مضيفاً "نحن مثل اللحم والعظم مع العرب". وفي معرض الحديث عن العلاقات المتحسِّنة مع العالم العربي، سأل وزير المال محمد شمشك "لمَ لا نعود إلى جذورنا؟" لم أكن أعلم أن جذور الأتراك هي في العالم العربي.
أستطيع أن أتفهّم إلى درجة معيّنة انتقادات "حزب العدالة والتنمية" الحاكم للامبالاة الحكومة السابقة بالعالم العربي. أجل، لقد أدرنا ظهرنا للشرق الأوسط في مرحلة معيّنة. غير أن الأمثلة التي يعطيها رئيس الوزراء للتعبير عن رأيه بـ"الازدراء" التركي للعرب تخرج عن إطار التفكير المنطقي.
التفسير الأساسي الذي تقدّمه أوساط "حزب العدالة والتنمية" لانخراط الحزب في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني هو المأساة البشرية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني. لو كانت الحال هكذا، فلماذا لا تبالي الحكومة إذاً بالمعاناة البشرية في قيرغيزستان؟ هل السبب هو أنّ الأوزبكيين والقيرغيزيين لا يصلّون خمس مرات في اليوم؟
أظن أن وزير الخارجية أحمد داود أوغلو كشف عن السبب الحقيقي خلف السياسة الحكومية بالقول "سوف تصبح القدس عاصمة ذات يوم، وسوف نصلّي جميعنا ذات يوم في المسجد الأقصى". لم يعد "حزب العدالة والتنمية" يتحدّث عن المشكلة الفلسطينية، بل عن المشكلة في غزة. وفي حين يدافعون عن حقوق "حماس"، لا يتحدّث أحد عن السلطة الفلسطينية. هل السبب هو الطبيعة العلمانية للسلطة الفلسطينية؟ هل راديكالية "حماس" أكثر جاذبية لـ"حزب العدالة والتنمية"؟
إذا لم يكن المرجع الأساسي لـ"حزب العدالة والتنمية" الدين بل رغبة حقيقية في رؤية المعاناة الفلسطينية تنتهي، فقد حان الوقت إذاً للإدراك بأن إسرائيل ليست سبب المشكلة الوحيد. يتعيّن على الحكومة أن تقول للسلطة الفلسطينية إن الزمن الذي لم تكن تصرّفاتها تخضع فيه للمساءلة قد ولّى. يجب أن يضعوا حداً للفساد الذي كلّفهم ثقة شعبهم بهم. ثم يجب أن تتحوّل الحكومة نحو "حماس" وتقول لها "اسمعي، لقد تجرّأتُ حتى على بلوغ مرحلة قطع علاقاتي مع إسرائيل. حان الوقت لتكبحي راديكاليتك وتقبلي بوجود إسرائيل". ويجب أن توجّه على الأقل خُمس الانتقادات التي عبّرت عنها ضد إسرائيل، إلى العالم العربي المفكّك. حتى لو كان "حزب العدالة والتنمية" قد فقدَ كل الآمال في ما يختص بالعالم العربي والسلطة الفلسطينية، لا يمكنه حل المشكلة الفلسطينية عبر شنّ حرب مع إسرائيل ودعم "حماس".
كلمة أخيرة حول العالم العربي. يجب التمعّن جيداً في رد فعل المجتمعات العربية حيال "حزب العدالة والتنمية". إذا كانت الحشود تنزل إلى الشارع للثناء على موقف تركيا، فالسبب الأساسي ليس أنها متحمِّسة لفكرة أن تركيا سوف تقود العالم العربي لحل المشكلة الفلسطينية. بل إنها تفعل ذلك لإظهار رد فعلها على رياء حكوماتها. لا يمكنهم النزول إلى شوارع القاهرة وإطلاق شعارات ضد مبارك. فهم يعرفون تماماً أن الرد سيكون قمعاً عنيفاً للاحتجاجات. لكنهم يعرفون جيداً أن مبارك لا يستطيع أن يأمر قوات الأمن التابعة له بالتحرّك ضد من يرفعون شعارات مؤيّدة لأردوغان.
قد يصفّق بعض الراديكاليين في المجتمع العربي بصدق لأردوغان، لأنهم قد يرون فيه أخاً حقيقياً في السلاح. لكنني أعتقد أن هناك آخرين يفعلون ذلك لإظهار رد فعلهم حيال حكّامهم. ما يدفعني إلى قول ذلك هو شعبية المسلسلات التلفزيونية التركية في المجتمعات العربية. لا تعكس تلك المسلسلات تركيا التي تسيطر عليها الاتجاهات الراديكالية، بل تعكس مجتمعاً ذا نمط حياة يُبقي الدين في الميدان الخاص ويتفادى تنصيبه مرجعاً أساسياً في الحياة.
"حرييت"
ترجمة ن. ن.
(مساعدة رئيس التحرير في "حرييت دايلي نيوز" و"إيكونوميك ريفيو".)
"النهار"




















