عندما وقع فأس الاحتلال الصهيوني في رأس الشعب الفلسطيني في عام 1948، وحصلت النكبة والشتات والتوزع الفلسطيني في أرجاء الدنيا، وخصوصا في البلدان العربية المحيطة بفلسطين، أخذت خطط وممارسات الاحتلال تتوالى وتوالي تطبيقاتها على أرض الواقع، تجاه الأرض الفلسطينية، وتجاه من بقي من الفلسطينيين في ديارهم، أو الذين لم يعترف الكيان الغاصب بوجودهم، واعتبرهم في عداد "الحاضرين الغائبين". أما أرض وممتلكات الذين تمّ طردهم، فقد وزعت الإدارات الرسمية الخاصة بعضها على المهاجرين الذين استقدموا من جميع أنحاء الدنيا كونهم من اليهود، وحوّلت بعض الأراضي الأخرى، بعد نسف نحو 500 قرية وبلدة، إلى إدارة تابعة للدولة، أطلقت عليها اسم "إدارة أملاك الغائبين" وقد أدارتها بصورة تؤول إليها في النهاية، فيما توالت بعد ذلك ممارسات إدارة الأراضي للاستحواذ على أراض جديدة، بعد قيام الكيان الإسرائيلي بشن حروب جديدة على البلدان العربية المحيطة، وطرد بعض سكانها منها، ليجري تثبيت سياسة "أقضم ثم اهضم" على أغلب ما احتل من أراض، على الرغم من صدور قرارات دولية من أعلى الهيئات الأممية، نصت على إعادة الحقوق إلى أصحابها، كالقرارات: 194 عام 1948، و242 عام 1967، و338 عام 1973، وقبل ذلك القرار 181 عام 1947 الذي نص على تقسيم فلسطين بين الفلسطينيين والصهاينة، وإقامة دولة لكل منهما.
وعندما كان الكيان الصهيوني يتعرض لضغوط تنفيذ قرارات إلزامية تستوجب التطبيق، فإن الحماة والرعاة الدائمين والمؤسسين له الغرب الأميركي والأوروبي كانوا وما زالوا يستعملون كل أساليبهم الديبلوماسية الناعمة أو الفظة، بما فيها استعمال القوة المسلحة لإحباط أي مشروع أو قرار يمكن أن يهدد كيان الاحتلال، أو أيا من إجراءاته أو قراراته، ولا بأس من التذكير بالعدوان الثلاثي الذي شنته فرنسا وبريطانيا والكيان الصهيوني على مصر عام 1956.
هكذا توالت الممارسات الاحتلالية المنافية للقوانين والتشريعات والأعراف الدولية، وبحماية من القوى المهيمنة في العالم، منذ زمن الاحتلال الأول عام 1948، مرورا بالحروب والاحتلالات اللاحقة. ليتوالى تناسل الممارسات والتطبيقات على أرض الواقع، وخلق وقائع جديدة لتثبيت ما تم قضمه من قبل، ولتتوزع المتاهات والتتويهات يوميا بعد ذلك، من بينها على سبيل المثال: إقامة مستعمرات صهيونية في أراض محتلة، بعد طرد سكانها منها، وإحلال مستعمرين صهاينة فيها، مع ما يستتبع ذلك أو ربما قبل ذلك، من إقامة بُنى تحتية حديثة ومتطورة، والسيطرة على محيط المستعمرات ومصادرة طرق وأملاك وينابيع مياه القرى الفلسطينية المحيطة، وإقامة مئات الحواجز العسكرية لتعطيل مصالح الناس. وقطع التواصل فيما بينهم، لتتوالى بعد ذلك المتاهات والتتويهات، من قبيل إقامة جدار الفصل العنصري، شن عشرات الغارات على المدن والبلدات والقرى الفلسطينية لاعتقال وقتل عشرات بل مئات الفلسطينيين، حرق المزروعات والأشجار المثمرة للفلاحين الفلسطينيين، واستمرار قضم واحتلال مئات الدونمات من الأراضي بحجج أمنية وعسكرية شتى، كإقامة معسكرات لتدريب أفراد الجيش أو الشرطة، او لأنها قرب ينابيع مياه مهمة، أو بحجة أن فيها مزارات وآثارا يهودية، أو لأنها ميادين مهمة لإقامة تدريبات ومناورات للجيش، أو لأنها أماكن أقيمت عليها مطارات حربية، ولا يجوز أن يجاورها فلسطينيون بأماكن سكناهم أو أراضيهم الزراعية.
هكذا في كل يوم متاهة، ومشكلة، واقتحامات واعتداءات، وخلق وقائع جديدة على الأرض، وزرع وبناء مستعمرات جديدة لآلاف المستعمرين الجدد، وشق طرقات إلتفافية خاصة بهم، وأي مطالبة بالعودة عن ما تم بناؤه، فهو "إنكار لواقع ديموغرافي إنساني" أصبح من مستلزمات الاحتلال!. أما مقولة "ما بُني على باطل فهو باطل"، فإنها تصح على غير ابن العالم المدلل: الكيان الصهيوني، ومن أراد غير ذلك، فإنه سيناطح حتما أقوى القوى في العالم.
إن الاحتلال هو أس المشكلة وجذرها الأساس، ومن دون إزالته، فإن المتاهات والتتويهات ستستمر؛ بما فيها إقامة مستعمرات جديدة على أراض فلسطينية محتلة جديدة.
"المستقبل"




















