لم يحجب اليوم الماراتوني الثاني لجلسة مناقشة الحكومة في مجلس النواب، بكل ما انطوت عليه كلمات خطبائه ومواقفهم من ارتفاع ملحوظ للمنسوب السياسي، الوهج الكبير الذي اثارته المبادرة الروسية المفاجئة بمنح الجيش اللبناني عشر مقاتلات روسية من طراز "ميغ 29".
وقد اكتسبت هذه المبادرة، غداة كشف وزير الدفاع الياس المر اياها من موسكو، مزيداً من الابعاد المهمة مع صدور تأكيدات وايضاحات روسية رسمية في شأنها ترددت اصداؤها بقوة في بيروت، وفي محافل اقليمية وديبلوماسية اخرى، بعدما كانت ظهرت بعض ملامح التشكيك فيها قبل صدور الموقف الروسي الرسمي.
وقالت مصادر معنية بهذا التطور لـ"النهار" ان التأكيد الروسي لمبادرة تسليح الجيش بالمقاتلات العشر من طراز "ميغ 29" اكتسب بعداً مزدوجاً بالغ الدلالة. فمن جهة اعلنت موسكو بما لا يقبل تأويلاً انها ستقدم المقاتلات العشر هبة او هدية الى الجيش اللبناني بما يوفّر على لبنان نفقات الكلفة المالية التي كان يمكن ان ينوء تحتها، او يضطر الى طلب مساعدات من دول مانحة لدفعها، فانضمت موسكو بذلك الى نادي الدول المانحة الضخمة التي تساعد لبنان، علماً انها ساهمت في السابق في مساعدات عبر المؤتمرات الدولية التي نظمت لهذا الغرض. ومن جهة اخرى، جاء التأكيد الروسي غداة اعلان الوزير المر هذه المبادرة ليمحض المسؤول اللبناني صدقية كاملة في ما اعلنه وليقطع دابر الشكوك الداخلية التي لاحت في مؤشرات معينة تفاعلت امس حتى عبر بعض الكلمات والردود التي صدرت خلال جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النواب.
ولم تستبعد المصادر نفسها في ضوء ذلك ان يتبدل مناخ التشكيك بسرعة في الايام المقبلة، خصوصاً ان معظم المعطيات يشير الى ان وقع المفاجأة باغت كثيرين في الداخل والخارج وشكل نوعاً من الاختبار غير المحسوب للنيات الحقيقية حيال خطوة كهذه لا يمكن توظيفها سياسياً لانها تأتي لمصلحة تقوية الجيش والدولة، وهو الامر الذي يضع الجميع امام امتحان نيات صارم.
وجاء التأكيد الروسي امس لهذه المبادرة على لسان رئيس هيئة التعاون العسكري والفني الاتحادية الروسية ميخائيل ديمترييف الذي نقلت عنه وكالة "انترفاكس" الروسية المستقلة ان روسيا ستمنح لبنان عشر مقاتلات روسية مستعملة من طراز "ميغ 29" وذلك "على سبيل المساعدة التقنية العسكرية". وقال ان "وزارة الدفاع الروسية قررت منح لبنان على سبيل المساعدة التقنية العسكرية عشر مقاتلات من طراز "ميغ 29" سبق لها ان وضعت في الخدمة". واوضح ان "مساعدة تقنية عسكرية تعني مساعدة على نفقة روسيا"، وانها مساعدة "تدفع تكاليفها من الموازنة". واضاف ان موسكو وبيروت تجريان محادثات في شأن بيع لبنان مدرعات لقواته البرية وان امدادات الاسلحة الروسية "الآن ممكنة بعدما استقر الوضع في هذا البلد". وشدد على "اننا ننظر الى الجيش اللبناني على انه الضامن الرئيسي لاستقرار هذا البلد ولذلك فإن القوات المسلحة لهذا البلد يجب تعزيزها".
والتقى المر امس في الكرملين امين سر مجلس الامن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف في حضور نائبه فلاديمير نازاروف وديمترييف. وصدر عن باتروشيف بيان جاء فيه ان البحث تناول "مواضيع التعاون بين لبنان وروسيا بهدف تأمين الامن العالمي والاقليمي والنضال ضد الارهاب الدولي اضافة الى تطوير آفاق علاقات التعاون العسكري التقني بين لبنان وروسيا". وقال: "تركز البحث بشكل خاص على موضوع تجهيز 10 طائرات ميغ 29 وتسليمها من روسيا الاتحادية الى لبنان بهدف تقوية الجيش الوطني الذي يعتبر الضمان للاستقرار والامن في الجمهورية اللبنانية".
وأعلن ديمترييف في وقت لاحق ان عسكريين لبنانيين سيتدربون في المعاهد الحربية الروسية. وقال: "لقد قررنا بعد زيارة وزير الدفاع اللبناني الياس المر استقبال العسكريين اللبنانيين للتدرب في المعاهد التعليمية التابعة لوزارة الدفاع الروسية".
أما في ردود الفعل المحلية البارزة على المبادرة الروسية، فرأى رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري ان القرار الروسي "يعبر عن عمق الصداقة التي تربط لبنان بروسيا وعن ارادة حقيقية لدعم لبنان ومؤسساته الشرعية ولا سيما منها الامنية والعسكرية". وأشاد "بالجهد الذي بذله الوزير المر وبالسياسات الحكومية التي تعمل على تعزيز قدرات الجيش". وقال ان "روسيا تعطي المثل الصالح على طريقة التعامل مع قضية لبنان".
ووصفت قوى 14 آذار المبادرة الروسية بانها "تطور استراتيجي" ورأت فيها "تعزيزاً للثقة بلبنان دولة سيدة مستقلة غير خاضعة لأي وصاية وبالجيش اللبناني كجهة مؤتمنة وحدها على بسط سيادة لبنان على كامل اراضيه واجوائه".
اسرائيل
وفي المقابل، برز مؤشر سلبي اول من اسرائيل حيال القرار الروسي، عبر صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية التي نشرت أمس ان اسرائيل قلقة جداً من السلاح الذي تنوي روسيا الاتحادية ان تزود لبنان ودول المنطقة اياه.
ولاحظت الصحيفة ان "هذه المرة الاولى التي يتسلح بها الجيش اللبناني بطائرات ذات قدرات قتالية حقيقية وقادرة على ان تشكل تحدياً لطائرات سلاح الجو الاسرائيلي". وقالت إن "هذه الطائرات ذات تكلفة عالية وانه من غير الواضح ما اذا كان يمكن هذه الصفقة ان ترى النور".
وكان عدد من المسؤولين الاسرائيليين الكبار بينهم رئيس الوزراء إيهود اولمرت طالبوا خلال زيارات لهم لموسكو خلال الاشهر الاخيرة بعرقلة تنفيذ صفقات اسلحة مستقبلاً بين روسيا وحلفائها في المنطقة.
ويشار في هذا السياق الى ان الطائرات الحربية الاسرائيلية كثفت تحليقها في الاجواء اللبنانية امس ووصلت الى عكار في الشمال.
المناقشة
على صعيد آخر، أنهى النواب القاء كلماتهم ليل أمس بعد اربع جلسات من المناقشة العامة للحكومة استغرقت 16 ساعة وتحدث خلالها 44 نائباً. ومن المقرر ان يرد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة اليوم على مداخلات النواب، على ان تبدأ بعد ذلك جلسة اشتراعية يجري خلالها درس اربعة مشاريع، ومن ثم يصوت مجلس النواب على اختيار خمسة اعضاء للمجلس الدستوري من اصل 96 مرشحاً قدموا سيرهم الذاتية.
والى المواقف السياسية التي تميز بها بعض المداخلات لنواب من الغالبية والمعارضة أمس، تقدم ستة نواب هم عمار حوري وبطرس حرب وانطوان زهرا ونايلة معوض وأغوب قصارجيان ومروان حماده باقتراح يرمي الى تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في كل الافعال الجرمية المنسوبة الى المسؤولين خلال العقدين الماضيين، ومنح هذه اللجنة سلطات التحقيق القضائية.
""




















