بتصريح مثير ، يزف إلينا رئيس مجلس الوزراء بشرى سارة إذ يقرر : " أن المؤسسة العامة للاتصالات هي الوحيدة الرابحة بين المؤسسات والشركات العامة ، ولم يتبق سوى الضرائب والرسوم التي ساهمت في رفع ميزانية الدولة " . يا له من خبر . فهنيئاً لسورية والسوريين بهذا الوضع . ومرحى للحكومة التي أنتجته وتديره بإبداع . وليستبشر السوريون بمستقبل واضح على قدر ما هو مجهول .
منذ بضع سنوات ، وبعد أن ذاب الثلج وبان المرج ، دأبت السلطة على تجريع الشعب الواقع الاقتصادي المر على دفعات ، بعد طول حديث عن التطوير والتحديث والاستثمار ، وتباه بالإنجازات والاقتصاد المتين لسورية الحديثة الذي تم بناؤه عبر عقود . وفي تصريحات شهيرة لرئيس الحكومة ، وفي مناسبات عدة قسم قطاع الدولة الاقتصادي إلى ثلاثة أقسام : قسم منتج ورابح ويستحق الحماية والدعم ، وقسم آخر متعثر يحتاج إلى رعاية وإصلاح ، وقسم ثالث أسماه " حسبنا الله ونعم الوكيل " . وطمأن الناس بوعود الإصلاح ومحاربة الفساد لإعادة الحيوية والدور لهذا القطاع الهام و" الرائد " . غير أن مجريات الأمور ذهبت باتجاه آخر . فها هو يعلن يوم السبت في الثالث من تموز 2010 ومن مدينة حلب أن مؤسسات وشركات القطاع العام كلها خاسرة باستثناء المؤسسة العامة للاتصالات . أي تلك المؤسسة التي تعتمد على جيوب المواطنين في تأمين مداخيلها وأرباحها ، وبالتالي الموارد الأساس للخزينة المركزية في هذه المرحلة .
وبالمناسبة ذاتها ، وفي تصريح متناغم مع تصريح رئيس حكومته ، يفيدنا نائب رئيسها للشؤون الاقتصادية أن " 70% من الإنفاق الجاري في الموازنة سيكون من الضرائب " .
إذا كان الوضع أيها السادة كما تصفون ، فكيف يتأتى لكم الحديث عن " توجهات اقتصادية مدروسة " و " موقف اقتصادي ثابت وقوي " تتمتع به البلاد في ظل إدارتكم الحكيمة ؟ ! أم أن هذا أول الغيث من نتائج خططكم الخمسية الرائعة وبرامج الإصلاح المتعددة الأسماء والأشكال ، التي قرعتم بها الميكروفونات والكاميرات و آذان المواطنين عبر السنوات العشر الماضية ؟ !
وإذا كانت القطاعات الاقتصادية المختلفة ، وخاصة المؤسسات والشركات العامة ، التي أممت وكانت رابحة قبل التأميم ، وتلك التي بناها الشعب السوري من ماله وتعبه وثروته الوطنية ، قد تحولت على أيديكم إلى قاع صفصف ، يستولد الخسارة بعد الخسارة ومؤهل لهذا الشكل من النعي ، فما الذي يمكن أن تفعله جيوب المواطنين الخاوية أصلاً ؟ ! وهل ترك الغلاء والنهب والفساد وسوء الإدارة في تلك الجيوب شيئاً يمسك الرمق ، ويعين الناس على تأمين حاجات عيالهم ، حتى تضعون العين عليها ، وتخططون لاستنزاف ما بقي فيها لتغطية النفقات الجارية للدولة ؟ ! ( اسألوا الرواتب والأجور الهزيلة التي تدفعونها لهم ) .
وماذا لو لم يتطابق حساب الحقل مع حساب البيدر بشأن الموارد الضريبية من جيوب المواطنين ، بسبب التدهور المتزايد للأوضاع المعيشية للشعب الذي ترصده يومياً وسائل الإعلام ، فمن يتكفل بتغطية نفقاتكم الجارية ، وتلك التي تجرونها على الموالين والمحاسيب والأزلام ؟ !
مسكينة جيوب المواطنين . عليها أن تدفع متطلبات المؤسسات والشركات الخاسرة والمتوقفة عن العمل منذ سنوات ورواتب وأجور العاملين فيها . ويطلب منها أن تسدد فواتير الولاء السياسي للسلطة في الداخل والخارج . كما عليها أن تؤمن النفقات الشرعية وغير الشرعية للأجهزة والمسؤولين الذين أدمنوا الترف والصرف دون حساب من دولة كانت لهم على الدوام بقرة حلوباً ، يختصون بقطف جناها ، واليوم جف ضرعها . لكن عليها أن تواظب على تسديد الضرائب لتتمكن " الحكومة الضرائبية " من تأمين إنفاقها الجاري . مثلما يبقى عليها أن تثابر على دفع فواتير الهاتف الثابت والمحمول والانترنت ، لتبقى مؤسسة الاتصالات المؤسسة الوحيدة الرابحة في البلاد . بعد ذلك ليرجع المواطنون بما تبقى في جيوبهم ( إذا تبقى شيء ) إلى بيوتهم وعيالهم . ولا يهم ما الذي سيفعلونه بعد ذلك . .
انتبه إلى جيوبك أيها المواطن . . فجيوبك موضع اهتمام الحكومة .
أما أنت فلا أحد ينتبه إليك .
6 / 7 / 2010
هيئة التحرير




















