في الوقت الذي يتحدث فيه الجانب الاسرائيلي، ويبدي إلحاحا غريبا في مطالبته بمفاوضات مباشرة مع السلطة الفلسطينية، تأتي ممارساته على الأءرض الواقع في تناقض صارخ مع هذا الحديث والإلحاح على التفاوض المباشر، بل في خط لا صلة له بعملية السلام، وإنما هو خط الاستيلاء على المزيد من الأراضي في القدس الشرقية الفلسطينية خاصة، وفي الضفة الغربية على وجه العموم.
هناك أراض وعقارات في القدس الشرقية يملكها مواطنون فلسطينيون يقيمون في الضفة الغربية أو في دول عربية شقيقة، وتريد الحكومة الاسرائيلية الاستيلاء عليها مستخدمة قانونا صاغته اسرائيل في العام ١٩٤٨ عقب قيامها مباشرة، وهو ما يعرف بقانون أملاك الغائبين- ذلك القانون الذي يتناقض مع كل الأعراف والمواثيق الدولية، ويصف المواطن الفلسطيني الذي اضطرته ظروف الحرب إلى مغادرة بلدته أو مدينته بأنه "غائب"، حتى لو كان غيابه بسبب منع اسرائيل له من الإقامة في القدس الشرقية، لمجرد أنه تواجد عند الإحصاء الاسرائيلي الذي تم بعد حرب ١٩٦٧ في منطقة قررت اسرائيل انفراديا أنها خارج حدود المنطقة التي ضمتها اسرائيل، انفراديا كذلك، إلى حدود بلدية القدس الموسعة.
هناك أملاك وعقارات في القدس الغربية يملكها مواطنون يقيمون في القدس الشرقية، ومن المفروض أن تُعاد إليهم لأنهم حتى بموجب القوانين الاسرائيلية الغريبة مقيمون في مدينتهم، ولم يخرجوا منها، تماما مثل ما عاش آباؤهم وأجدادهم في المدينة المقدسة.
والذين يقطنون في هذه العقارات من اليهود كانوا غائبين عنها، فلماذا يطبق قانون "الغائبين" على العرب دون سواهم؟ بل لماذا نبش هذا القانون ونفض غبار السنين عنه، بينما تتحدث حكومة بنيامين نتنياهو عن المفاوضات المباشرة، وتلح على إدارة اوبما للانتقال من مفاوضات "التقريب" إلى مفاوضات "وجها لوجه"؟
إن إثارة موضوع أملاك "الغائبين" بالمفهوم الاسرائيلي، الحاضرين وجودا وحقا على بعد مئات الأمتار من القدس، ما هو إلا خطوة لابتلاع المزيد والمزيد من الأراضي العربية في القدس الشرقية.
ويجب أن لا يغيب عن البال أن الحكومة الاسرائيلية ما تزال ترفض تجميد الاستيطان في المدينة المقدسة، رغم كل الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية- وهو مؤشر على الأطماع الاسرائيلية التي لا تشبع في أراضي المواطنين الفلسطينيين :سواء منهم المقيمون فعلا في مدينتهم، أم الذين أجبرتهم الممارسات الاسرائيلية والجدار الفاصل على الانتقال منها إلى أماكن قريبة أو بعيدة عنها.
وليست السلطات الاسرائيلية بحاجة إلى مبرر "الغياب" المزعوم للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في القدس الشرقية. فما يحدث في الشيخ جراح وحي البستان وراس العامود وشعفاط وبيت حنينا يتحدث عن نفسه حيث تُطرد عائلات فلسطينية أو هي مهددة بالطرد، وتقام المستوطنات علنا، وفي تحد صارخ لعملية السلام وإرادة المجتمع الدولي.
فكيف تريد اسرائيل من الفلسطينيين الدخول في مفاوضات مباشرة، وهي تكشف من خلال هذه الممارسات الاستيطانية والتوسعية عن نواياها الحقيقية؟
إن الفلسطينيين والعالم كله لم يعودوا يستمعون إلى التصريحات الاسرائيلية التي تلح في المطالبة بمفاوضات مباشرة، لأن الجميع يشاهدون عيانا التصرفات والأفعال الاسرائيلية والمطامع الاسرائيلية في سرقة المزيد والمزيد من الأراضي والعقارات الفلسطينية في القدس الشرقية والضفة الغربية.
والأفعال أكثر إقناعا من التصريحات، التي هي مجرد كلام يتطاير، ولا أثر له في عالم الواقع.
فمن الذي سينخدع بالتصريحات الاسرائيلية؟
القدس




















