كما حروب الآخرين على أرضنا، كذلك مصالحاتهم، او تتويج هذه المصالحات على البقعة القابلة للانفجار من داخل مرتبط او عاكس لتردّي الاوضاع العربية والاقليمية، وربما لتردّي علاقة ايران بكل العالم.
هكذا شهدنا في الايام القليلة الماضية زيارات ولقاءات ودعوات الى التهدئة والحوار في الداخل اللبناني.
انها رعاية المملكة العربية السعودية، وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز الذي جال في دول المنطقة مصالحا، او ساعيا الى مصالحات ما كانت ممكنة لولا التجلبب السوري الاخير في العباءة العربية مجددا بعد العقوبات الدولية على ايران، وبعد تلويح المحكمة الدولية بقرار ظني لا يضمن احد حتى الساعة ان لا يشمل سوريا او مقربين ومتحالفين معها، وبعد انكفاء الدور التركي عن كونه صلة وصل بين دمشق وبعض الغرب مباشرة، واسرائيل بطريقة غير مباشرة.
لقد عملت المملكة العربية السعودية، وبمساعدة مصر، على توفير الغطاء للمفاوضات الفلسطينية ولنزع فتيل التفجير اللبناني الذي يحركه الخارج دوما، محوِّلا بعض الداخل ادوات. وقد ضغطت المملكة على حلفائها قبل المتخاصمين معها لإعادة الاعتبار الى اتفاق الطائف الذي كرس انتهاء الحرب بين اللبنانيين واعاد المؤسسات الى لعب دورها الطبيعي، مع علمها بأن تنفيذ الطائف عُطِّل او جاء مشوها لحسابات اقليمية، بعضها فارسي، ترتبط بالصراع السني الشيعي في المنطقة، وبسعي اسرائيلي الى تغذيته لايقاع الفتنة المذهبية مجددا.
واذا كان 7 ايار 2008 حاول تكريس هذا الانقسام وايقاظ الفتنة المذكورة، فان دولة قطر بأميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس وزرائها وزير الخارجية الشيخ حمد بن جبر تلقت الاشارة سريعا، وتحركت لإعادة الامور الى نصابها باتفاق الدوحة الذي أنقذ الطائف وساهم في انتخاب رئيس للجمهورية ووضع المؤسسات مجددا على السكة، وها هو يسعى مجددا الى "دوحة جديدة" تعيد الامور الى ما كانت عليه بعد المؤتمر مباشرة.
صحيح ان سوريا تمسك بمفاصل الحل، والنزاع ايضا، في لبنان، لكنها لم تكن لتبادر لولا الرعاية السعودية والدعم القطري والموافقة المصرية الضمنية، وهي حاليا امام امتحان صدقية في المضي بتهدئة الخواطر وحث حلفائها على اعتماد الحوار والمؤسسات بديلا من الشارع.
لكن هل يعني ذلك، كما يروج البعض، اتفاقا على التهدئة في مقابل المحكمة الدولية وتعطيلها، وارجاء القرار الظني الى أجل غير محدد؟
بالتأكيد لا، فعندما خرج الضباط الاربعة من سجنهم، قال "معارضون" ان المحكمة لم تستجب لطلبات "قوى 14 آذار" بتأجيل الافراج عنهم الى ما بعد الانتخابات النيابية، معترفين ضمنا بان المحكمة الدولية لا تستجيب لأوامر ورغبات الداخل اللبناني وحلفائه في الخارج. فكيف لهم اليوم ان يطلبوا الى رئيس الحكومة سعد الحريري ان يفعل ما بوسعه لتبديل مضمون القرار الاتهامي.
وكيف يطلبون الى اي جهة كانت، عربية ام اجنبية، التدخل في عمل المحكمة والتأثير في قراراتها؟
ان الرعاية العربية تهدف الى تحصين الوضع الداخلي، ولكنها لا تستهدف حتما التعمية على الحقيقة واعادة تسليم الملف اللبناني للارادة السورية، كما يحلو لحلفاء دمشق ان يروجوا هذه الايام، والا لما كانت ضرورة لمشقات الاسفار واللقاءات.
هذه الرعاية تعمل على التوازنات الاقليمية التي كرست "الطائف" وبعده "الدوحة"، وربما تظهر قريبا نتائج "بعبدا" لمواجهة التحديات الكثيرة التي تحدّث عنها امير قطر، والتي لا يمكن ازالة ألغامها بلغة التخوين وتبادل الشتائم والتهديد والوعيد السائدة هذه الايام.
ان الرعاية العربية تحتاج الى رعاية اهل الداخل لوطنهم، والاتفاق في ما بينهم على طلب الحقيقة، وهي غير ما يسربه الاعلام الاسرائيلي لأهداف لا تخفى على احد.
فالحقيقة التي نطلبها، المستندة الى شواهد وشهود، هي المنقذة من مسلسلات الارهاب التي قد تصيب الجميع مجددا، والاهم من الشبهات التي ستلاحق البعض اذا ما سعى الى التأثير في عمل المحكمة.
"النهار"




















