أسوأ ما نشهده هذه الأيام في سلوك البعض انهم يمارسون دور (الإملاء) على بعض السياسيين بحيث يُملون عليهم ما يجب أن يفعلوه أو ما يجب أن يتكلموا به، حتى انهم يُملون عليهم ما يجب أن تكون عليه ردة فعلهم حيال حدث معين أو موضوع معين.
إذا كان سياسيٌ ما في مناسبةٍ ولم يتكلَّم، يَعيب عليه البعضُ انه بقي صامتاً، وإذا تكلَّم فإنهم يعيبون عليه انه تكلَّم. سياسة الإملاء هذه يبدو انها أصابت بعض الإعلاميين بمقدار ما أصابت الكثير من السياسيين.
هنا لا بد من طرح السؤال التالي:
إذا كان الذين يطرحون مبدأ الحريات يقاتلون في سبيل هذا المبدأ، ألا يعتقدون ان سياسة (الإملاء) التي يمارسونها هي نوعٌ من تقييد حرية الآخرين؟
كيف يطالبون بالشيء ويمارسون عكسه في آن واحد؟
نكتفي بهذا القدر في ما يتعلَّق بهذه البدعة، على أمل أن تُشكِّل عبرة ودرساً للذين يتمادون ويستمرون في سلوك هذا (المنطق) وهو عملياً لا يمت إلى المنطق بصلة.
وكما يحاول البعض أن (يمون) على هذا المسؤول أو ذاك فإن البعض الآخر يحاول أن يمون على رئيس هذا البلد أو ذاك أو على هذا الملك أو ذاك، ويصل التعالي عند البعض حدّ (المونة) على الجامعة العربية أو الإتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي:
هذا يريده أن يعدِّل في قرار اتخذه، وذاك يريده أن يتخذ قرارا غير القرار الذي اتخذه، وآخر يريده أن يُلغي قراراً إتخذه.
عجيبٌ غريبٌ أمرُ هذا الشعور! كأن البعض يحاول أن يوحي ان الكرة الأرضية تدور حول عقله (النيِّر) وأن لا شيء يحدث في الدنيا إلا وفق مشيئته.
قليلٌ من التواضع يا سادة، المسألة ليست هكذا، هناك واقعية وهذه الواقعية تقتضي القول إن السياسة، كما الصحافة، مبنية على الواقعية والمعطيات وليس على الأمنيات والآمال، مثالٌ على ذلك:
هناك الكثيرون مِمَّن يتحدثون يومياً ويكتبون يومياً عن المحكمة الدولية والقرار الظني، لماذا استعجال الأمور؟
ولماذا لا ينتظرون مع المنتظرين؟
أليس استباق الأمور يُولِّد الريبة والخيبة؟
الأنوار




















