يعيد "السوق" تشكيل جزء كبير اساسي من الصحافة العالمية، تحديداً الاميركية والاوروبية. في السنوات الأخيرة ألغت "الكريستيان سيانس مونيتور" احدى صحف النخبة الاميركية طبعتها الورقية بعد تراجع طويل استمر اكثر من عقدين. والعام المنصرم باعت "مؤسسة كارنيجي" مجلة "فورين بوليسي" الى "الواشنطن بوست" وفي الأشهر الاخيرة انتقلت ملكية الصحيفة الفرنسية الأكثر مكانة سياسية وفكرية "اللوموند"… وقبل يومين قرأنا عن بيع "الواشنطن بوست" لاسبوعيتها "نيوزويك".
حركة نوعية في سوق متحركة لصحف ذات معنى واهمية. وإذا كان بعض هذه الصحف والمجلات جزءاً من وهج البلد الكبير الذي تنتمي اليه فليست مكانتها جميعا قديمة بل بعضها مكتسب في العقود الأخيرة. لعل المثال الأبرز على ذلك هو وضع "الواشنطن بوست" التي نجحت عبر وريثة غير صحافية بل حتى ربما غير كاتبة في التحول الى صحيفة "وطنية" على غرار ما يسمى بعض الصحف الاميركية. تلك الوريثة عن زوجها المتوفى هي كاترين غراهام• .
التجربة الغربية في الصحافة تخطت الفكرة المسبقة الرائجة عندنا ان شرط – او احد شروط – نجاح صحيفة كون صاحبها بالضرورة صحافياً! بإمكان صاحب الصحيفة ان لا يكتب. طبعا لا يعني هذا ان تحرر "الناشر" من عقدة الكتابة هو النموذج الوحيد المطلوب للمستقبل. فوجود الناشر – الصحافي سيظل في هذا النوع من السلعة سمة طبيعية. في فرنسا جان دانيال، لازال شاهداً حياً على هذه الفئة من اصحاب الصحف – الصحافيين مع مجلته "النوفيل اوبسرفاتور". لكن هؤلاء يقل عددهم تباعاً مع المزيد من تطور الصحافة.
ومع انه لم يخلُ خبر اعلان بيع او شراء لواحدة من هذه الصحف الكبيرة عن تراجع ارقام التوزيع – حتى لو بقيت ارقاماً كبيرة – فإحدى الافكار الرائجة في تحليل ازمة تراجع الصحافة المطبوعة هي الاعتقاد الخاطىء بأنه ناتج عما بات يسمى "ازمة قراءة"… صحف ورقية.
في الحقيقة ان هذا التوصيف لسبب الأزمة كان يصح ولا زال على تحليل علاقة التلفزيون بالصحافة المكتوبة، وليس على علاقة "الانترنت" بها. مع التلفزيون لا شك ان دوراً اساسياً للصحيفة كمصدر خبري اصبح متراجعاً إن لم يكن ملغياً حين تحمل كلمة "خبر" معنى محدداً: آخر حَدَث (وليس حين تعني "معلومة" مهمة قد لا تكون حصلت "مؤخراً"!). اما مع "الانترنت" فبكل بساطة لا يصح توصيف "أزمة قراءة" بشكل وحيد الجانب لأن ظاهرة "الانترنت" خلافاً للتلفزيون هي ظاهرة قراءة اولا وليست ظاهرة مشاهدة او استماع. والدليل البسيط هنا ان قراءة الصحف على "الانترنت" زادت في كل مكان في العالم، بل ان الصحيفة الواحدة غالباً ما تتراجع ورقيا وتتقدم "افتراضياً" أي على "الانترنت"… لكن هذه ظاهرة ثابتة في حال مجانية القراءة الالكترونية.
ماذا تستدعي مشاهداتنا لتحولات الخارج الاوروبي الاميركي… وهو في مجالنا، بل في معظم المجالات خارج داخلي جداً؟
الملاحظة السريعة ولو العامة جداً التي تقال هنا هي ان ازمات الصحافة الغربية هي ازمات سوق… اياً يكن اختلاف التقاليد بين بلد وآخر. لكن لا شك حتى مع اهتمام القوى السياسية بل السلطات السياسية بمصائر بعض الصحف الكبيرة كما حاول ان يفعل الرئيس نيكولا ساركوزي خلال التنافس على شراء "اللوموند"… وفشل… فإن "العرض والطلب" في السوق الرأسمالي هو الحاسم في مجال الأزمة… والحل. أما في العالم العربي، حتى في دول ذات تقاليد صحافة عريقة في القطاع الخاص، فلا زال السوق الاعلامي بل اصبح اكثر من السابق، تحت السيطرة شبه الكاملة للسلطات السياسية بإمكاناتها المالية. ولا شك ان اي استعراض "كرونولوجي" لمسار انشاء الصحف "المستقلة" منذ أوائل القرن العشرين، وربما منذ اواخر القرن التاسع عشر الى اليوم، سيجد ان هامش سيطرة السلطات السياسية المالية على "مصائر" الصحف، بما فيها العريقة، مباشرة أو غير مباشرة، هو في ازدياد… وهذه في منطقتنا ظاهرة لا تُختصر فقط بتراجع الحيز الديموقراطي للمؤسسات السياسية… بل ايضاً بما هو أعمق… تراجع بنية دول ومجتمعات واقتصادات… تراجع يجعل من إحدى نتائجه "المألوفة" ازدياد الفساد السياسي كما الفساد الاعلامي.
• راجع كتاب مذكراتها الشهير: (Personal History (1997
(alkadaya@hotmail.com)
"النهار"




















