شهدت أواخر القرن العشرين وبداية العقد الأول من القرن الحالي، نقطة فارقة في المشهد الإعلامي العربي، تمثلت في انتهاء ما يسمى بالسيادة الإعلامية للدولة.
فلم يعد من الممكن السيطرة على هذا الكم الضخم من القنوات الفضائية، أو الوقوف أمام هذا السيل المتدفق من المعلومات في «عصر المعلومات»، وهو البديل لعصر الثورة الصناعية والذي أصبح للاستثمار فيه سوق رائجة تفوق سوق الذهب والنفط، ويكفي أن نعلم أن ربع الناتج القومي الأميركي، يأتي من الاستثمار في مجال المعلومات التي أصبح التحكم فيها ومتابعتها ضربا من المستحيل.
هذا العصر الذي فرض فيه سطوته من لديه القدرة على إنتاج المعلومة وأدوات بثها، وقسم العالم إلى فريقين؛ الغرب بطغيانه وسطوته المعلوماتية، والدول النامية أو الساعية للنمو بقدراتها المحدودة على إنتاج المعلومة، والتي اكتفى بعضها بدور المستهلك، باعتبار أن ما حدث لا حول لنا فيه ولا قوة.
وأصبح اتجاه سريان تدفق المعلومة يتم بشكل أفقي من الشمال إلى الجنوب، حيث المسافة المعلوماتية من الغرب إلى العرب أقصر بكثير من المسافة المعلوماتية من العرب نحو الغرب، على الرغم من أن المسافة الجغرافية بينهما متساوية.
عصر ما بعد الثورة الصناعية كان جديدا في مضمونه، بغض النظر عن تقييم جدواه، وكان جديدا في أدواته، ومنها البث الفضائي الذي أحدثت نتائجه حالة أقرب إلى الصدمة الإعلامية لعالمنا العربي، الذي ظل لحقب طويلة يعتمد على محطات التشويش للوقوف في وجه القادم المجهول الذي يخترق ثقافتنا.
وتمثلت تبعات هذا الانفتاح الفضائي في أن حدثت حالة من الحراك الإعلامي المحمود، وارتفع سقف المسموح به، وتم تناول العديد من القضايا التي كانت تعد من المحذورات، ووضعت الحالة الإعلامية الجديدة وسائل الإعلام العربي الرسمي على المحك؛ فإما أن تغير طريقة عملها وطبيعة القضايا التي تعرضها وأسلوب معالجتها، وإلا لن تجد من يتابعها في ظل هذا الزخم الكبير من القنوات التلفزيونية.
ولما كان لا بد مما ليس منه بد، لجأ بعض الفضائيات العربية، أملا في جذب المشاهد، إلى استنساخ بعض البرامج الغربية بحلوها ومرها، وعرضها على المشاهد العربي دون وعي أو إدراك، مما يدعونا للتساؤل عن الجدوى منها ومن المستفيد من وراء بثها وما تقدمه من نماذج بعيدة كل البعد عن واقع مجتمعاتنا العربية، والتي أعتبر تقديمها يقع ضمن الفعل الإعلامي الفاضح، فضلا عن برامج المجاهرين بأخطائهم الذين أبوا إلا الفضيحة أمام الملايين من الناس، بعد أن سترهم الله!
وهناك نوعية من البرامج تقدم بشكل عبثي أحيانا وهزلي أحيانا أخرى، وهي برامج الحوارات الفضائية «الخفيفة»، والتي تبتعد كل البعد عن الحد الأدنى للقواعد المهنية المتعارف عليها، حتى عند غير المتخصصين في الحقل الإعلامي! تجد مقدم البرنامج أو مقدمته يحتاج إلى طاقم عمل من المصححين، لكي يكمل جملة عربية واحدة خالية من الأخطاء، سواء في معناها أو مبناها، فضلا عن مضمون مهلهل يتم الخلط فيه بين الخاص والعام..
وهناك نوعية أخرى من الحوارات التي تسمى ـ تجاوزا ـ «الجادة»، بما يعني أن ما عداها حوارات هزلية أو غير جادة. هذه النوعية من الحوارات ينصب مقدم البرنامج فيها نفسه وكيل نيابة، وليس وكيلا عن الجمهور، والضيف كأنه مجرم ساقته الأقدار إلى جلاده ليلقى جزاءه أمام الجمهور.
ويتحول الاستوديو إلى ساحة محكمة، وليس على الضيف مهما كانت مكانته إلا أن يتحمل سخافات «تساؤلات» مقدم البرنامج، وإن شئت الدقة «مساءلاته»، بصوت مرتفع وبحدة أبعد ما تكون عن قواعد الحوار الإذاعي، اعتقادا من المحاور أن درجة ارتفاع صوته تتناسب طرديا مع درجة نجوميته والتفاف الجماهير حول الشاشة التي يستجديهم بين كل فاصل ألا يتركوها بحثا عن غيرها، وبالتالي مزيدا من الإعلانات التي تترتب عليها زيادة في أجره وهو المطلوب تحقيقه في نهاية المطاف، ولتذهب قواعد العمل وحرفيته إلى الجحيم!
وهكذا في ظل هذا الصراع المتأجج بين قنوات لا هم لها كل مساء، إلا إضاءة أنوار الاستوديوهات وإظلام حياة الناس. ولما كان الأمر كذلك، فلا بأس أن يتطوع أحدهم ـ حتى وإن كان البرنامج يدور حول تحليل مباراة لكرة القدم ـ لطرح وجهة نظره بلا أية دراية علمية أو ثقافية حول العلاقات السياسية بين الدول، والنتيجة مزيد من تقطيع الأواصر بين الشعوب ومزيد من التمزق الناتج عن إعلام ملك زمامه بعض المدعين، الذين أصبحوا بين عشية وضحاها نجوما بلا مؤهلات حقيقية.
وحتى البرامج التي تستضيف أصحاب الرأي لتناول القضايا الخلافية في شكل مناظرات جذبت في بدايتها قطاعا عريضا من الشارع العربي، باعتبارها شكلا جديدا في تناول قضايا مسكوت عنها وعرضها بجرأة وحرية، لا تخلو من أجندة سياسية تتحكم فيها، وبعضها تحول إلى شكل من أشكال صراع الديكة والصراخ الذي يمتد أحيانا إلى التطاول اللفظي والتعدي بالأيدي، في ظل غياب حقيقي للفكر والحجة، وكأننا نبرهن للعالم على أننا أمة يفسد خلاف الرأي بينها كل الود!
إنني لا أدعو إلى التقوقع حول الذات وعدم الاطلاع على تجارب الغير، والاستفادة من بعضها إن أمكن، ولكن ذلك لا يمنع من أن نجهد أنفسنا قليلا في البحث عن أفكار نقدمها في برامج نابعة من بيئتنا ومزاجنا النفسي، يتعلم منها الأبناء ولا تخدش حياء الآباء، ولا مانع أن نتلمس فيها أوجاعنا ومثالب حياتنا، دون ابتذال أو إهانة.. برامج نقدم فيها الحسن كما نراه نحن حسنا، لا كما يراه غيرنا ويفرضه علينا..
برامج نعالج فيها أوجاع مجتمعاتنا بجرأة والتزام ودون تردد، ونرى أنفسنا فيها وتراثنا، لا أن تخلعنا من جذورنا وتطمس هويتنا وتغرّب أبناءنا. برامج ليس شغلها الشاغل نصب المحاكمات لتبرئة هذا وإدانة ذاك، والإشادة بهذا ومهاجمة الآخر تبعا لهوى ومزاج المقدم النجم أو الباحث عن النجومية.إن ما نراه على أغلب شاشات فضائياتنا العربية، أقرب إلى الفوضى.. لكن غير الخلاقة.
عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
Dralkhaja@gmail.com
"البيان"




















