ليس من المبالغة في شيء القول: إن لبنان الشقيق الذي طالما شكل رئة عربية تتسع لكل القوى والتيارات والتوجهات العربية، تحتضنها بإدراك عميق للحقيقة التي ارتكز عليها لبنان دوما وهي ضرورة، بل وحتمية التعايش السلمي بين كل أبنائه، يحتاج الآن وربما أكثر من أوقات كثيرة مضت إلى استعادة هذه الركيزة الجوهرية من ناحية، وإلى تضافر كل القوى العربية لتشكل سياجا حاميا ومعززا وداعما للبنان واستقراره وازدهاره، دولة وشعبا ومجتمعا، دون تدخل خارجي في شؤونه ومع احترام كامل لاستقلاله وسيادته في مواجهة كل محاولات المساس بها بشكل مباشر أو غير مباشر.
وإذا كانت تتجمع الآن وعلى امتداد الأشهر القادمة على الأرجح سحب ومؤشرات تبعث على القلق والترقب لما قد يحدث أو تتطور إليه الأوضاع في لبنان ومن حوله كذلك، فإنه من المؤكد أن هناك من الحكمة وبعد النظر الذي تتميز به الكثير من قيادات بلاد الأرز ما يكفى لأن تنفذ كلها إلى حقيقة ما يراد للبنان في هذه المرحلة بشكل محدد، وتعمل جميعها من أجل إحباط أية مخططات أو تجهيزات أو محاولات لجر لبنان إلى هوة الفتنة أو عودة الصراع الطائفي مرة أخرى بين أي من الطوائف أو القوى اللبنانية.
صحيح أن هناك أطرافا إقليمية ودولية تريد أن تجعل من لبنان مسرحا ربما لاختبار القوى أو تصفية الحسابات، أو مدخلا لتصعيد قد يبدو محسوبا ولكنه في الواقع بالغ الخطر والخطورة على حاضر ومستقبل المنطقة، ولكن الصحيح أيضا أن القوى اللبنانية والإقليمية والدولية الحريصة على لبنان واستقراره وازدهاره تظل قادرة بالفعل على عرقلة أية مخططات، أو حماقات يمكن أن تجر المنطقة إلى أوضاع لا يعلم منتهاها أحد.
على أية حال فإن القوى السياسية والطوائف اللبنانية يقع على عاتقها جميعها، ودون استثناء أو تمايز، مسؤولية ضخمة في الحفاظ على استقرار لبنان ومنع انزلاقه إلى نفق هذا المسار أو ذاك لأن كل القوى اللبنانية لها المصالحة الكبرى في الإبقاء على السلام والاستقرار والطمأنينة على امتداد الأراضى اللبنانية، ولكل أبناء لبنان أيضا، أيا كانت الطائفة أو التوجه السياسي أو العقائدي لهم. ومن هنا تحديدا، فإنه ليس من المبالغة في شيئ القول:
إن الحفاظ على لبنان ووحدته السياسية وتماسكه الاجتماعي يقع في المقام الأول على عاتق اللبنانيين، ليس فقط لأنهم أصحاب المصلحة الأولى والكبرى في ذلك، ولكن أيضا لأن المساس بأمن واستقرار لبنان عادة ما كان يتم من خلال قوى أو أطراف أو عناصر لبنانية محسوبة على هذا الطرف أو ذاك. ولذا فإن التعويل يكون أولا على اللبنانيين.
أما بالنسبة للدول العربية الحريصة على حاضر لبنان ومستقبله والتي ترى فيه صيغة طيبة للتعايش والتوافق والقدرة على صنع حياة طيبة برغم تعدد الألوان والأطياف، فإنها يمكن أن تقدم للبنان ما يحتاجه من دعم ومؤازرة سياسية واقتصادية وغيرها وفق ما يراه المسؤولون اللبنانيون من أولويات تخدم حاضر ومستقبل لبنان.
ومن المهم والضروري أن تبتعد عمليات دعم لبنان ومساندته عن أية حسابات ضيقة، أو تنافسات، أو ممارسات تجاوزها الزمن لأسباب كثيرة، ويزيد من أهمية ذلك أن لبنان في هذه المرحلة لا يستطيع تحمل أعباء المشاحنات العربية أو الإقليمية لأنه يبحث عما يؤمن خروجه مما يحاك له بدون خسائر من أي نوع.
فهل ستستطيع الدول العربية أن تقدم للبنان ما يحتاجه وبأقصى سرعة ممكنة ؟ نأمل ذلك حتى يظل لبنان كما يحب اللبنانيون والعرب الذين يحبونه
عمان




















