ما حصل يُعتبر هزة ارضية أخلاقية في قيادة المؤسسة الامنية. فقضية "وثيقة ايال اراد"، سواء كانت وثيقة حقيقية ام مزيفة، هي تعبير عن تعفن قيمي تبدو الى جانبه "الافاعي في وزارة الدفاع" من عهد خطاب الوداع لبوغي يعلون (عندما كان رئيسا للأركان) الى جانبه نعاجا بيضاء. عندما سيدخل هذا الصباح متدربو مدرسة الضباط الى الصفوف فعن أي قيم بالضبط سيتعلمون هناك؟ عن نزعة المهنة عديمة الكوابح؟ عن الانانية، عن الخداع والاعمال الجنائية التي ترمي الى ترفيعهم في المناصب على حساب رفاق السلاح والمؤسسة بأسرها؟
اذا لم يستنكر رئيس الاركان ووزير الدفاع ذلك علنا وإذا لم ينددا بمن يقف خلفه – فلن يشتري أحد منهما أي بضاعة تعنى بالزمالة، باخوة المقاتلين، بالنزاهة في التعيينات وباقي الشعارات التي أغرقاها على المستنقع النتن لهذه القصة.
الصراع الحالي حول تعيين رئيس الاركان القادم مختلف بشكل جوهري، عن الصراعات السابقة. واذا كان حصل في الماضي صراعات ذات نزعة قوة بين المرشحين للمنصب او بين رئيس الاركان واحد المرشحين، فهذه المرة تجري الحرب الحقيقية بين وزير الدفاع ورئيس الاركان. واذا كانت الصراعات في الماضي – وحتى أكثرها بشاعة – لم تتجاوز خطوط الثرثرة الشريرة، فانه هذه المرة تجاوزت كل الخطوط والحديث يدور عن شبهات باعمال جنائية.
الشائعات عن وجود وثيقة تُعنى، ظاهرا، باعداد خطة استراتيجية لتعيين اللواء يوآف جلانت كرئيس الاركان المقبل – توجد داخل الساحة العسكرية منذ عدة اشهر. هذه الشائعات تنسجم جيدا مع ثرثرة اخرى، تستسيغها الدوائر المقربة من رئيس الاركان، وتتحدث عن إعادة إحياء "محفل المزرعة" (الذي كان نشطا وفاعلا ايام رئيس الحكومة السابق أرييل شارون) الذي يشارك فيه نجلا ارييل شارون، خبيرا العلاقات العامة اراد وادلر، رئيس طاقم وزير الدفاع يوني كورن، وجلانت، الذي كان في الماضي السكرتير العسكري لشارون. كل هؤلاء، كما تروي الروايات، يجلسون ويخططون شؤون العالم بشكل عام وتعيين "رجالنا" بشكل خاص. هكذا بحيث أن الربط بين اللواء جلانت وايال اراد يتخذ في نظر من يؤمن بوجود هذا المحفل صورة الامر الاكثر طبيعية في العالم.
من جهة اخرى، فإن ربط اسم جلانت باسم ايال اراد هو "خرقة حمراء" لعائلة نتنياهو. ذلك أن كل من يقترب اليوم من ايال اراد له فرصة معقولة في ان يشطب من قائمة المرشحين لمنصب رئيس الاركان او لكل منصب كبير آخر. هذا سبيل جيد للمس بجلانت.
هذه الوثيقة، التي نشر مضمونها في اخبار القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، كتبها شخص ضالع في العلاقات العامة، وفي السلوك العسكري الداخلي. فضلا عن ذلك: يوجد فيها عناصر سبق أن تحققت. مثلا، فكرة اضافة لوائين آخرين الى السباق نحو رئاسة الاركان. وبالفعل، فقد انضم الى السباق آفي مزراحي وغادي شماني، غير أن شماني لم يكن مطالبا بان يضاف من قبل "المتآمرين" باضافة اسمه بل فعل ذلك بمبادرته – الامر الذي خرب بعض الشيء على نظرية المؤامرة.
ثمة بند آخر في الوثيقة يتطرق الى عرض اشكنازي كمن يشعر بالاهانة على نحو دائم على نمط دافيد ليفي (وزير الخارجية السابق عن حزب الليكود). وبالفعل، في نهاية الاسبوع، في مقالين في "يديعوت احرونوت" يظهر هذا التشبيه. هل حصل هذا صدفة، ام كان هناك ثمة من عرفوا بالوثيقة، وان لم يكن هم الذين كتبوها، وحرصوا على أن تسريب عناصر منها الى الخارج كي يعززوا اصالتها؟
ما لا يقل غرابة هو توقيت النشر: في هذا الاسبوع بالذات والذي بدأ فيه وزير الدفاع إجراء مقابلات مع المرشحين لمنصب رئيس الاركان. واذا كانت هذه الوثيقة يتم تناقلها منذ عدة اشهر، فيبدو أن من كان يملكها انتظر التوقيت المناسب كي يمتشقها كسلاح يوم الدين ليوقف سباق جلانت نحو المنصب، او هدف حقيقي وفوري أكثر – لوقف عملية تعيين رئيس الاركان حتى استكمال التحقيق، الامر الذي من شأنه أن يستغرق عدة اشهر. بالمناسبة، في هذه الاثناء، هذه الرسالة لم تلتقط لدى وزير الدفاع، وهو يعتزم التعاطي مع الوثيقة كـ"رسالة تشهير مغفلة" ومواصلة عملية التعيين كما كان مقررا.
يعتزم ايال اراد، التوجه الى الشرطة ورفع شكوى على التزييف. في جعبته كل التفسيرات المنطقية لماذا ينبغي له أن يكون غبيا كي يكتب وثيقة كهذه فيما يتصدرها شعاره. في المحيط القريب من جلانت يتحدثون عن "اعمال جنائية" ضده. فجلانت يعتبر، حتى قبل ثلاثة اشهر واليوم ايضا، مرشحا ذا فرص جيدة جدا للوصول الى كرسي رئيس الاركان. وهكذا فان المنطق يقول ان الرجل لا يحتاج الى البحث عن استراتيجيات. بالعكس. كل ما يحتاجه هو الامتناع عن الوقوع في الاخطاء.
وعلى الرغم من كل شيء، اذا كان لواء في الجيش الإسرائيلي قد توجه بالفعل الى رجل علاقات عامة كي يعد له استراتيجية لكيفية الوصول الى القيادة في ظل التشهير برئيس الاركان والالوية الاخرين، فينبغي له أن ينزع بزته.
اما اذا كانت الوثيقة مزيفة، فمن لديه مصلحة في تزييفها. واذا كانت اعدت من قبل احد من مقربي جلانت، مع او بدون علم اللواء، فمن كانت لديه مصلحة في تسريبها في التوقيت الحالي؟ ولعله يوجد هنا عنصر ثالث، حشر أنفه في الخلاف بين مكتب الوزير ومكتب رئيس الاركان كي يحطم الاواني.
كيفما نظرنا الى هذه القضية، فانها نتنة. هذه السحابة يجب التحقيق فيها وعلى التحقيق ان تجريه جهات خارجية، خارج الجيش الإسرائيلي. والا فستبقى وصمة عار على كل عملية التعيين لرئيس الاركان التالي.
("يديعوت أحرونوت 8/8/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















