يبدأ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو المفاوضات على التسوية الدائمة مع الفلسطينيين من موقع تفوق مقارنة مع سلفيه، ايهود باراك وايهود اولمرت، اللذين وقفا على مسافة لمسة من اتفاق واصطدما برفض فلسطيني.
نتنياهو شعبي بين الجمهور ويتمتع بقوة سياسية من دون منافسين، خلافا لما كان عليه باراك، الذي تفكك ائتلافه قبل سفره الى قمة كامب ديفيد، وخلافا لوضع اولمرت الذي فقد صلاحيته الجماهيرية في حرب لبنان الثانية. كل اتفاق يأتي به نتنياهو سيحظى بدعم جماهيري كثيف.
يتمتع نتنياهو بتفوق آخر: التوقعات من المفاوضات المُستأنفة تساوي صفر، والفلسطينيون لا يحظون باهتمام معظم الجمهور الإسرائيلي، الذي يكتفي بالهدوء الأمني. القلائل الذين هم معنيون بالعملية السياسية، يعتقدون ان نتنياهو يخدع ويقصد كسب الوقت في محادثات عابثة. هذا الغفيان مريح للسياسي، الذي يريد أن يتنكر لمواقفه السابقة دون أن يتلقى التنديد، النقد والصدمات في ائتلافه. هذا ما أتاح لنتنياهو بأن يهيىء الرأي العام، "محفل السباعية" والمنظومة الدولية لانعطافة في نهجه في ادارة النزاع.
يدخل نتنياهو المفاوضات مع مطلبين مركزيين: اعتراف فلسطيني بإسرائيل كـ"دولة الشعب اليهودي"؛ ومرابطة الجيش الإسرائيلي في غور الاردن، في الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية العتيدة، كحاجز في وجه تهريب الصواريخ وغيرها من الاسلحة الثقيلة. كما انه يريد أن تبقى مستوطنات معاليه ادوميم، غوش عتصيون واريئل، بيد إسرائيل، وهو ملتزم بوحدة القدس. هذه المبادىء لا تختلف عما اقترحه باراك واولمرت على الفلسطينيين في كامب ديفيد وفي انابوليس.
يجدر ملاحظة ما لم يفعله نتنياهو وما لم يقله. منذ ان عاد الى الحكم، لم تطأ قدمه خارج "خريطة اولمرت" (خط الحدود الذي اقترحه اولمرت على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والذي يلامس تقريبا مسار جدار الفصل مع تبادل للاراضي). فقد زار نتنياهو الكتل الاستيطانية فقط، والتي سعى اسلافه ايضا الى ضمها الى إسرائيل. والأهم من هذا، فان نتنياهو لم يقل ان المستوطنات مهمة لأمن إسرائيل. من ناحيته، الترتيبات الامنية يجب ان ترتكز على انتشار قوات الجيش، وليس على مستوطنات مدنية.
هذا لا يعني ان رئيس الحكومة قرر أو يميل، الى اخلاء المستوطنات الواقعة خارج الكتل كي يسلم الارض الى الدولة الفلسطينية (سفيره في واشطن، مايكل اورن، قال لـ "واشنطن بوست" ان اخلاء 100 الف مستوطن أمر مستحيل). هذا يعني فقط ان المواقف الاولية لنتنياهو تترك مجالا لحل وسط مع الفلسطينيين، اذا ما كفوا عن اصرارهم على "كل شيء أو لا شيء" اذا ما سارعوا الى اقامة دولتهم على معظم الضفة الغربية، ووافقوا على أن يؤجل البحث حول المناطق التي تبقى تحت الخلاف، حول القدس، اللاجئين والاعتراف بإسرائيل الى المستقبل – بمعنى ان يوافقوا على فكرة "الدولة الفلسطينية في حدود مؤقتة" – فثمة ما يمكن الحديث حوله. اذا كان الرئيس الامريكي براك اوباما يولي أهمية لعنوان "دولة فلسطينية" أكثر مما للتفاصيل، فانه سيدعم نهج نتنياهو.
حددت ادارة اوباما سنة للمفاوضات، مثل ادارة بوش في مؤتمر انابوليس. في الجولة السابقة، وخلافا للتوقعات المسبقة، كان الجدول الزمني واقعيا: فقد عرض اولمرت خطته للسلام على عباس بعد 10 اشهر. لا يوجد سبب يجعل نتنياهو بحاجة لزمن اكثر. اولمرت عمل في ظل التخوف من انهيار ديموغرافي، يهدد مستقبل إسرائيل كدولة يهودية ("دولتان او ان تكون إسرائيل منتهية")؛ نتنياهو يعمل في ظل الخشية من نزع الشرعية وفقدان الدعم الدولي لإسرائيل. هذا دافع لا بأس به لزعيم يحاول الخروج من العزلة في العالم عبر محادثات مباشرة مع الفلسطينيين.
ولكن الى ان يبحثوا الامور الكبرى، سيضطر نتنياهو لإيجاد حل للبناء في المستوطنات، مع نهاية التجميد في 26 أيلول. في الاعلان عن استئناف المفاوضات امتنعت الرباعية وادارة اوباما عن الدعوة الى تمديد التجميد التام، واكتفتا بطلب الامتناع عن خطوات تعرقل المحادثات. نتنياهو ملتزم باستئناف البناء "مثل الحكومات السابقة". ماذا يعني هذا؟ اريئيل شارون واولمرت بنيا في الكتل وجمداه خارج الجدار. نتنياهو سيسعى الى حل مشابه- وفقا لاقتراح الوزيرين دان مريدور وميكي ايتان. الفلسطينيون سيحصلون على زيادة اراضي وصلاحيات في الضفة، كي يبتلعوا استئناف البناء في الكتل ولن يفجروا المفاوضات. على الأقل حتى الازمة التالية.
(هآرتس 22/8/2010)
"المستقبل"




















