– القاهرة
في متابعة لسلسلة "حالة مصر"، كنت قد اعتزمت تخصيص هذا المقال للتطرق إلى وضعية الطبقة الوسطى وما طالها أو لم يطلها من تحولات اقتصادية واجتماعية بين عامي 2000 و2010 وتداعيات ذلك السياسية. إلا أن تعالي أصداء دعوة بعض أحزاب وحركات المعارضة لمقاطعة انتخابات مجلس الشعب المقبلة (خريف 2010) وتنامي اهتمام الرأي العام بالأمر، دفعني إلى تغيير الوجهة وحفزني على تناول مسألة المقاطعة في مقال اليوم.
وأبدأ بوضع نفسي دون تحفظات أو صياغات رمادية في خانة دعاة مقاطعة انتخابات مجلس الشعب 2010 وأسوق لذلك الأسباب التالية:
1. لا يقدم الإطار الدستوري والقانوني الناظم للعملية الانتخابية، خاصة بعد إلغاء شرط الإشراف القضائي (تعديلات 2007 الدستورية) والقيود المفروضة على الرقابة الداخلية والدولية، الحد الأدنى من ضمانات نزاهة وحيادية وتنافسية الانتخابات.
2. الخبرة السلبية التي راكمتها أحزاب وحركات المعارضة من جراء تدخلات الحزب الحاكم السافرة والمتكررة في سير كل الانتخابات التي أجريت بمصر خلال الأعوام الخمسة الماضية، وتلاعبه المنظم بنتائجها مستغلا في ذلك مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والمال السياسي. هذه الخبرة السلبية، بالإضافة إلى الحضور الراهن للعديد من المؤشرات التي تقطع بتوجه الحزب الحاكم نحو تكرار تلاعبه وتدخلاته في انتخابات 2010، تذهب عملا بأوهام أو أحلام بعض المعارضين بإمكانية إجراء انتخابات نزيهة وتنافسية.
3. القيود القانونية والأمنية التي تواجهها أحزاب وحركات المعارضة في سعيها للاستعداد للانتخابات بتنشيط أطرها التنظيمية والتواصل مع قواعدها الناخبة وعقد المؤتمرات الجماهيرية وضمان حصول قياداتها ومرشحيها على تغطية إعلامية توازي أو على الأقل تقترب مما يحصل عليه الحزب الوطني.
4. الدليل البين الذي يقدمه مجلس شعب 2005-2010، وبالرغم من أنه شهد حصول المعارضة على العدد الأكبر من المقاعد في تاريخ تمثيلها بالمجلس منذ 1976، على الإخفاق شبه الكامل لهذه المعارضة بأطيافها المختلفة في التأثير على مخرّجات العملية التشريعية في ظل احتفاظ الحزب الوطني بغالبية "ما فوق ثلثي المقاعد" المريحة أو في إجبار الحزب الوطني على التخلي ولو الجزئي عن إدارته الانفرادية للعملية التشريعية وتهميشه الدائم للمعارضة.
5. الدليل الخطير الآخر الذي يقدمه مجلس شعب 2005-2010 على فساد مقولة "مشاركة المعارضة في الانتخابات والحياة البرلمانية تكسب أحزابها وحركاتها فاعلية تنظيمية وحيوية شعبية وقدرات مؤسسية إضافية تمكن على المدى الزمني المتوسط والطويل من منافسة الحزب الحاكم"، وهي تلك المقولة المعتمدة دوما من جانب العديد من الباحثين لتحفيز المعارضة في مصر وغيرها من الدول السلطوية على الاستمرار في المشاركة في انتخابات غير نزيهة وببرلمانات تسيطر عليها الأحزاب الحاكمة. وكنت قبيل انتخابات مجلس الشعب في 2005 وفي أعقابها من بين أولئك الذين وظفوا هذه المقولة للدفاع عن المشاركة في الانتخابات وتوقعوا مسارا إيجابيا لدور وتأثير المعارضة بالمجلس، خاصة نواب جماعة الإخوان. أما اليوم، وبموضوعية تستند من جهة إلى حصاد المجلس ومن جهة أخرى إلى الواقع الراهن لأحزاب وحركات المعارضة الممثلة به، فيمكن الجزم بفساد هذه المقولة في الحالة المصرية. فلا الوفد أصبح أكثر حيوية ولا الإخوان أضافوا الكثير إلى قدراتهم التنظيمية والمؤسسية، بل استمر جمود الأول إلى أن انتخب رئيسه الجديد ولم يحل تمثيل الجماعة بالبرلمان دون دخولها في نفق إستراتيجي وسياسي مظلم منذ 2007. ليست كل مشاركة انتخابية أو برلمانية للمعارضة إذا مرادف فاعلية مقبلة، وليست كل مقاطعة صنو جمود وهوان لا خلاص منهما أو مجرد خيار الضعفاء غير القادرين.
6. إن كان رهان المدى الطويل للمعارضة في الدول السلطوية حين تشارك في الانتخابات وبالبرلمانات يتمثل في تحول الدولة المعنية تدريجيا نحو الديموقراطية من بوابة الانتخابات التنافسية والبرلمانات التعددية ووصولا إلى تداول السلطة وحكم القانون، فإن خبرة مصر منذ 1976 وإلى اليوم لا تقدم من الأدلة والبراهين ما يكفي لتوقع نجاح هذا الرهان ويبرر من ثم تحمل المعارضة لكلفة المشاركة، وهي باهظة. لا تختلف حياة مصر السياسية في 2010 نوعيا عنها في 1976، إن في ما خص استمرار غياب تداول السلطة وهيمنة نخبة الحكم وحزبها أو لجهة الإدارة السلطوية للعلاقة بين النخبة والمعارضة وبين النخبة وعموم المواطنين أو بالنظر إلى حضور الأدوات القمعية وقدرة النخبة على استخدامها في أي وقت وظرف. أما الكلفة الباهظة لمشاركة المعارضة في مصر فترتبط بكون هذه المشاركة تقدم للنخبة ولحزبها، ومن خلال المظهر التنافسي للانتخابات والشكل التعددي لبرلمان به حكومة ومعارضة، شرعية ديموقراطية زائفة ورخصة للإدعاء الباطل في الداخل والخارج بالتزامها الإصلاح وحرصها على عدم الاستئثار بالحكم.
7. تواكبت مشاركة المعارضة في انتخابات 2005 مع حضور بيئة دولية مهتمة، إن على مستوى الحكومات أو على مستوى منظمات المجتمع المدني والإعلام العالمي، بقضايا الديموقراطية والإصلاح في مصر والعالم العربي. وأنتجت مشاركة المعارضة وما ووجهت به، خاصة جماعة الإخوان، من قمع مباشر ومستتر من قبل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية صورة واقعية عن سلطوية نخبة الحكم وحزبها، وحدّت في التحليل الأخير من صدقية الحديث الرسمي عن تنافسية الانتخابات والشرعية الديموقراطية. حقيقة أن هذه الصورة لم ترتب تشكيكاً دولياً صريحاً في شرعية نتائج انتخابات 2005، بل وسرعان ما توارت في أعقاب الانتخابات مفسحة المجال للواجهة الديموقراطية الزائفة، تدلل على عدم جواز المبالغة في دعوة المعارضة المصرية للمشاركة كوسيلة لإظهار واقع السلطوية وفضح قمع النخبة أمام العالم. أما اليوم وبعد انحسار بالاهتمام الدولي بقضايا الديموقراطية والإصلاح في بلاد العرب فيستحيل تمرير مشاركة المعارضة من بوابة "إظهار الحقيقة أمام العالم"، فالعالم هذا غير مهتم وغير راغب في الظروف الإقليمية الراهنة في الاهتمام. بل ربما ينبغي على المعارضة في مصر قلب المعادلة رأسا على عقب
ومحاولة لفت الانتباه الدولي عبر صدمة المقاطعة.
8. مصر، بانتخابات مجلس الشعب 2010 وبالانتخابات الرئاسية 2011، تمر بلحظة فارقة قد تشهد انتقال السلطة الرئاسية إلى رئيس جديد. واقتناعي أن أخطر ما يمكن أن يحدث لمصر في هذه اللحظة هو أن يتم هذا الانتقال دون أن يسبقه نجاح للمعارضة في انتزاع بعض الإصلاحات الديموقراطية من نخبة الحكم. وحيث أن المشاركة في الانتخابات وفي المجلس لم يكن لها خلال الأعوام الخمسة الماضية نتائج تذكر ولم ترتب إصلاحات ديموقراطية حقيقية، بل على العكس مهدت لتراجعات سلطوية خطيرة، يصبح من المشروع الدعوة لمقاطعة انتخابات 2010 عسى أن تحد "صدمة المقاطعة" من الجمود الراهن لحياة مصر السياسية ومن غياب أفاق التغيير.
شرط نجاح خيار المقاطعة هو توافق أحزاب وحركات المعارضة المؤثرة عليه والتزامها تطبيقه الكامل. فهل ترقى المعارضة، من الوفد والإخوان إلى الغد والجبهة والجمعية الوطنية إلى مستوى التحدي وتدرك جمعيا مضامين رهان اللحظة الفارقة التي تمر بها مصر اليوم؟ مؤشرات اليوم سلبية، إلا أنني لم افقد الأمل بعد.
( باحث مصري في مركز كارنيغي للسلام.)
"النهار"











