• الرئيسية
  • رأي الرأي
  • سياسة
    • سورية
    • العرب
    • العالم
  • مقالات
  • تحليلات ودراسات
  • حوارات
  • ترجمات
  • ثقافة وفكر
  • منتدى الرأي
الخميس, سبتمبر 3, 2026
موقع الرأي
  • Login
  • الرئيسية
  • رأي الرأي
    امتحانات السويداء.. إلامَ يستمرّ الاستثناء؟

    امتحانات السويداء.. إلامَ يستمرّ الاستثناء؟

  • سياسة
    • سورية
    • العرب
    • العالم
  • مقالات
    أسئلة دوستويفسكي في سورية الراهنة

    أسئلة دوستويفسكي في سورية الراهنة

    سوريا والحاجة إلى آليات إصلاح ذاتية للنظام السياسي

    سوريا والحاجة إلى آليات إصلاح ذاتية للنظام السياسي

    مفسدو السلام.. أزمة الشارع بعد توقيع الاتفاقيات!

    مفسدو السلام.. أزمة الشارع بعد توقيع الاتفاقيات!

    الصراعات الأيديولوجية وثوابت الجيوبوليتيك

    الصراعات الأيديولوجية وثوابت الجيوبوليتيك

  • تحليلات ودراسات
    لماذا خفضت إسرائيل التصعيد مع تركيا؟

    لماذا خفضت إسرائيل التصعيد مع تركيا؟

    ما تقوله حرب إيران عن تحالفات أميركا

    ما تقوله حرب إيران عن تحالفات أميركا

    كيف يعيد الشرق الأوسط هندسة أمنه… وهل تكفي المظلة الأميركية؟

    كيف يعيد الشرق الأوسط هندسة أمنه… وهل تكفي المظلة الأميركية؟

    الاستقواء بإسرائيل… رهان يُضعف موقع السويداء وكلفة سياسية عالية

  • حوارات

    “واشنطن تحوّل استثمارها في “قسد” إلى أصل سياسي ثابت”.. حوار مع خالد خوجة

    إردوغان لـ«الشرق الأوسط»: «اتفاقية مكة» تعزّز البعد الردعي… ولا تستهدف أي دولة – أكد أن علاقة تركيا بالسعودية هي «علاقة استراتيجية» واعتبر أن سوريا باتت أمام «مرحلة جديدة»

    روبرت فورد في حوار خاص مع “تلفزيون سوريا”: من بدايات الثورة حتى سوريا الجديدة

    ما مواقف جيه دي فانس من إيران وإسرائيل والخليج؟

  • ترجمات

    خبير أمنيّ أميركيّ: مضيق هرمز مشكلة جغرافيا لا حلّ لها

    ميناء “نيوم” بديلاً لمضيق هرمز؟

    ميناء “نيوم” بديلاً لمضيق هرمز؟

    ظريف: المقال الذي رشحه للإعدام..

    ظريف: المقال الذي رشحه للإعدام..

    جيمس جيفري: الشرق الأوسط ليس المركز للمصالح الأميركية..

    جيمس جيفري: الشرق الأوسط ليس المركز للمصالح الأميركية..

  • ثقافة وفكر
    • All
    • خواطر سوريّة

    بين الواقع والذاكرة.. تلاوين العودة إلى سوريا

    مئوية القامشلي وحاضنة سليم بركات

    عن كلمة “سردية” الأكثر تداولا في الإعلام والسياسة

    «أطول واحد بالحارة»: بروفايل سوري – محاولة لمُساءلة الذات السورية الراهنة

  • منتدى الرأي
No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • رأي الرأي
    امتحانات السويداء.. إلامَ يستمرّ الاستثناء؟

    امتحانات السويداء.. إلامَ يستمرّ الاستثناء؟

  • سياسة
    • سورية
    • العرب
    • العالم
  • مقالات
    أسئلة دوستويفسكي في سورية الراهنة

    أسئلة دوستويفسكي في سورية الراهنة

    سوريا والحاجة إلى آليات إصلاح ذاتية للنظام السياسي

    سوريا والحاجة إلى آليات إصلاح ذاتية للنظام السياسي

    مفسدو السلام.. أزمة الشارع بعد توقيع الاتفاقيات!

    مفسدو السلام.. أزمة الشارع بعد توقيع الاتفاقيات!

    الصراعات الأيديولوجية وثوابت الجيوبوليتيك

    الصراعات الأيديولوجية وثوابت الجيوبوليتيك

  • تحليلات ودراسات
    لماذا خفضت إسرائيل التصعيد مع تركيا؟

    لماذا خفضت إسرائيل التصعيد مع تركيا؟

    ما تقوله حرب إيران عن تحالفات أميركا

    ما تقوله حرب إيران عن تحالفات أميركا

    كيف يعيد الشرق الأوسط هندسة أمنه… وهل تكفي المظلة الأميركية؟

    كيف يعيد الشرق الأوسط هندسة أمنه… وهل تكفي المظلة الأميركية؟

    الاستقواء بإسرائيل… رهان يُضعف موقع السويداء وكلفة سياسية عالية

  • حوارات

    “واشنطن تحوّل استثمارها في “قسد” إلى أصل سياسي ثابت”.. حوار مع خالد خوجة

    إردوغان لـ«الشرق الأوسط»: «اتفاقية مكة» تعزّز البعد الردعي… ولا تستهدف أي دولة – أكد أن علاقة تركيا بالسعودية هي «علاقة استراتيجية» واعتبر أن سوريا باتت أمام «مرحلة جديدة»

    روبرت فورد في حوار خاص مع “تلفزيون سوريا”: من بدايات الثورة حتى سوريا الجديدة

    ما مواقف جيه دي فانس من إيران وإسرائيل والخليج؟

  • ترجمات

    خبير أمنيّ أميركيّ: مضيق هرمز مشكلة جغرافيا لا حلّ لها

    ميناء “نيوم” بديلاً لمضيق هرمز؟

    ميناء “نيوم” بديلاً لمضيق هرمز؟

    ظريف: المقال الذي رشحه للإعدام..

    ظريف: المقال الذي رشحه للإعدام..

    جيمس جيفري: الشرق الأوسط ليس المركز للمصالح الأميركية..

    جيمس جيفري: الشرق الأوسط ليس المركز للمصالح الأميركية..

  • ثقافة وفكر
    • All
    • خواطر سوريّة

    بين الواقع والذاكرة.. تلاوين العودة إلى سوريا

    مئوية القامشلي وحاضنة سليم بركات

    عن كلمة “سردية” الأكثر تداولا في الإعلام والسياسة

    «أطول واحد بالحارة»: بروفايل سوري – محاولة لمُساءلة الذات السورية الراهنة

  • منتدى الرأي
No Result
View All Result
موقع الرأي
No Result
View All Result

رحيل المفكر نصر حامد أبو زيد

18/09/2010
A A
2.8k
VIEWS
Share on FacebookShare on Twitterموضوع هام من موقع الرأيمقال هام من موقع الرأي
إشكالية المثقف والدولة/السلطة
نصر حامد أبو زيد

الزواج الكاثوليكي بين المثقف والسلطة، استبعاد العامة:
ثمّة اعتقاد دوغمائيّ عند الفصيل الأكبر من المثقّفين باستحالة التغيير دون مساندة السلطة. أقول اعتقاد "دوغمائي"؛ لأنه نتيجة تراكم تراث طويل ممتدّ من تقسيم الناس إلى "خاصّة" و"عامّة"، حيث لا يسمح بتداول المعرفة "الحقّة" إلا بين "الخاصة"، بينما يترك العامة لعقائدهم وتصوّراتهم المريحة. يكفي للتدليل على هذه الحقيقة التاريخية ما كان يدور داخل قصور "الموحّدين" في الأندلس من نقاش فلسفيّ حول حدوث العالم وقدمه، بينما لا يسمح، خارج أسوار القصر، إلا باتباع العقائد القائمة على أساس الفهم الحرفي للنصوص الدينية.
في هذا التصنيف التمييزيّ بين البشر، يتّفق كلّ من "أبي حامد الغزالي" و"ابن رشد"، رغم البون الشاسع بينهما في مواقفهما اللاهوتية والفلسفية. إنّ كثيرا من المثقّفين المعاصرين يؤمنون أنّ ثمّة قضايا ومسائل لا يجب أن تناقش إلا داخل الأكاديميات، حفاظا على عدم المساس بعقائد العامّة، وهذا هو نفس المنطق القديم. مفهوم "الخاصة"، في الفكر المعاصر، يتسع ليشمل المفكّرين والمبدعين ورجال السياسية، وفي عصر الليبرالية الاقتصادية يشمل "رجال الأعمال". كلّ هذه التمييزات والتصنيفات، في جوهرها، قيود تنتمي إلى عصور مضت، لكنها ما تزال سائدة للأسف الشديد في عصر انتشار التعليم، والثورة التكنولوجية في مجال الاتصال: عصر السماوات المفتوحة والإنترنت. والأهم من ذلك عصر "ديمقراطية المعرفة".
يجب أن يتمكن المثقف من إنتاج خطاب لا يضع السلطة في بؤرته سلبا ولا إيجابا. وليست هذه دعوة للتوقّف عن نقد السلطة، بكلّ تجلياتها الاجتماعية، والسياسية، والثقافية: أعني عدم اختصار مفهوم "السلطة" في نظام الحكم. بعض المثقفين يؤمن أنّ التغيير لا يأتي ولا يتحقّق إلا من أعلى، بينما أتصوّر أنّ التغيير الدائم لا بدّ أن يأتي من القواعد لا من القمم. تستطيع السلطة تغيير القوانين، لكنّ هذه القوانين تظلّ فاقدة الأثر ما لم تتغيّر الأذهان.
يجب على المثقف أن يحتفظ لنفسه بمسافة خارج مفاهيم السلطة، حتى لو كان النظام السياسيّ يتبنّى بعض المفاهيم التي يتبنّاها المثقف. هذه المسافة تسمح للمثقف بالاستقلال الفكري الذي يحميه من أن يقوم بتبرير القرارات السياسية أو الدفاع عنها. الاستقلال عن السلطة لا يعني معاداتها، بل يهدف إلى ترشيدها؛ فالسياسة هي فنّ تحقيق الممكن، والفكر سعي لاكتشاف المجهول وفتح آفاق الممكن. المثقّف الغربي متحرّر من تلك القيود الكلاسيكية، التي تصنّف الناس إلى خاصة وعامّة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يسمح واقع المجتمعات الغربية – التي تأسست فيها الديمقراطية على أساس حرية الفرد – بتداول الأفكار، ليس فقط خارج إطار سيطرة السلطة – أي سلطة اجتماعية أو سياسية أو دينية – بل ضدّ هذه السلطة تحديدا. منطقة "المحرّم" و"اللا مفكر فيه" تتّسع في ثقافتنا، بينما تضيق إلى أقصى حدّ في الثقافات الغربية. من أقدس المقدّسات في هذه المجتمعات: حقّ حرية الرأي، وحقّ حرية التعبير. ولهذا لا تفهم شعوبنا – وبعض مثقفينا للأسف الشديد مرة أخرى – عدم قدرة الحكومات في هذه المجتمعات الغربية على كبح جماح الأصوات المتطرفة ضدّ الإسلام هنا وهناك. إنهم يطالبون الحكومات بالحظر والمنع قياسا على ما ترتكبه السلطة – بالمعنى الواسع لكلمة السلطة، أو فلنقل السلطات – من حماقات ضدّ حرية الفكر والتعبير باسم "الحفاظ على الثوابت". وهو مفهوم مضلّل ربما نناقشه في مقالة مستقلة. المشكلة في تحالف المثقف مع السلطة في عالمنا أنّ السلطة تعتمد في تأسيس مشروعيتها على الماضي، بينما يجب أن تستمدّ السلطة – أيّ سلطة – مشروعيتها من الحاضر الحيّ، وليس من الماضي الميّت. أقصد بالحاضر الحيّ: الحاضر المتواصل مع الماضي تواصلا ديناميكيا نقديا خلاقا. الحاضر، الذي يعيد إنتاج الماضي بالترديد والتكرار، يفسح المجال لقيام ديكتاتوريات قمعية تسلطية.
دين السلطة وسلطة الدين:
انظر حولك في إيديولوجيا السلطات السياسية، المتمثلة في الألقاب والأسماء التي يحملها الحكام، بل وأسماء بعض الدول. هذا فضلا عن الدساتير – إن وجدت – التي تصر على احتكار السلطة للمعنى الديني، حين تقرر أن للدولة – في مجتمعات حديثة متعددة الأديان، بل ومتعددة الانتماءات المذهبية داخل نفس الدين – دينا. تتضمن معظم هذه الدساتير مادة: "الإسلام دين الدولة الرسمي، والشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي – أحيانا أحد مصادر – للتشريع".
الدولة ذات الدين تحتاج لسلطة دينية تحدّد معنى هذا الدين، وتحتاج لسلطة سياسية تحمي هذا الدين. وتستقطب هذه السلطات – بالجزرة أو بالعصا – فصائل من المثقفين والمفكرين الذين لا يملون التصدّي للدفاع عن "ثوابت" – دينية ووطنية وقومية وثقافية، في الأعراف والتقاليد الأخلاقية والعائلية – ضدّ التغيير والتطور. باختصار يصبح الدفاع عن هذه الثوابت/الأقانيم دفاعا عن كلّ الأوضاع الراهنة، والسماح ببعض مظاهر التجميل الخارجية في المباني والشوارع.
كلّ هذا التجمّد يؤثّر بشكل أو بآخر علي ذهنية المسلمين، الذين يعيشون في الغرب، والذين تتزايد عند أغلبهم سيكولوجية الخوف من فقدان الهوية، التي انحسرت أخيرا في الهوية الدينية، نتيجة الأسباب المذكورة. يضاف إلى ذلك التحوّل الذي أحدثته مأساة الحادي عشر من سبتمبر، وما تبعها من تفجيرات في مدريد ولندن، بالإضافة إلى مقتل المخرج الهولندي فان جوخ على يد شابّ من أصول مغربية، في تدشين العلاقة بين الإرهاب والإسلام، الأمر الذي خلق حالة الإسلاموفوبيا في الغرب. وهكذا أصبحت العلاقة بين المسلمين في الغرب وبين مواطنيهم علاقة توتّر وتوجّس وشكّ متبادل.
زاد من تعقد الأمر مسألة "حرية التفكير والتعبير" التي لا تُساوم في الوعي الغربي، والتي أدت إلى ازدياد الاحتقان المعادي للغرب في العالم الإسلامي: الكارتون الدانمركي، وتصريحات بابا الفاتيكان، وأفلام اليميني الهولندي فيلدرز، وأخيرا مسألة "المآذن" في سويسرا، مجرد أمثلة. المسألة ليست بالضبط مكانة الإسلام في الغرب، فثمّ دعوات الآن، هنا وهناك، للسماح للمسلمين بالاحتكام إلى الشريعة في شئون الأسرة، بل هي العلاقة بين المسلمين وبين مواطنيهم غير المسلمين في بلاد الغرب. المشكلة هي التي يطلق عليها الساسة ورجال القانون اسم "مشكلة الاندماج" ويتناولها المفكرون والمثقفون من مداخل مختلفة، مثل "التعدد الثقافي"، "النسبية الثقافية"، مفهوم "المواطنة" في الدولة الحديثة المتعددة الأعراق والثقافات والأديان.. الخ
مشروع الإصلاح الدينيّ المؤجل:
هل توقّف المشروع الإصلاحيّ التنويريّ – أتردّد في استخدام كلمة تنوير بسبب ما علق بها كما يعلق بكثير مثلها من حمولات إيديولوجية – الذي بدأ في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؟ نحن مغرمون بالبكاء على الماضي، فقط حين يصبح ماضيا. هذا المشروع الإصلاحي الماضي كان ملعونا في زمنه: محمد عبده كان مرفوضا، وما يزال، من المؤسسة التي حاول إصلاحها ففشل. قاسم أمين: تجهّم له "سعد زغلول" الزعيم السياسي، و"طلعت حرب" الرائد الاقتصادي، فضلا عن الخديوي. الطهطاوي، قبلهما، تم نفيه إلى السودان. قصة طه حسين وعلي عبد الرازق ثم خالد محمد خالد ولويس عوض قصص معروفة، لكن ما حدث لمحمد أحمد خلف الله بسبب رسالته لنيل درجة الدكتوراه عن "الفنّ القصصي في القرآن" بإشراف أمين الخولي عام 1947 غير معروف، وقصة "أبو زيد الأول" الذي رفعت ضده دعوى تفريق في محكمة دمنهور عام 1917-1918 بسبب قوله إنّ القول بنبوّة أدم، أي أنّ آدم كان أوّل الأنبياء، يعتمد على أدلّة ظنّية وليس على أدلّة قطعية. رفع عليه البعض دعوى ردّة مطالبين بالتفريق بينه وبين زوجته أمام محكمة دمنهور الابتدائية التي حكمت بالردّة والتفريق. لكنّ محكمة الاستئناف بالإسكندرية ألغت الحكم، والقصة بتفاصيلها المثيرة يمكن قراءتها في مجلة "المنار" العدد ا. هناك قصص أخرى وقعت خارج مصر يمكن أن تضاف: ما حدث للحدّاد في تونس وما حدث لمحمود محمد طه في السودان. ليس صحيحا إذن أنّ التنوير تحقّق ثم انطفأ؛ ذلك أنه لم يغادر حدود العواصم فأمكن حصاره وقتله. غدا أتوقّع أن يبكي أخلافنا علينا بعد أن نمضي. المشروع لم يتوقّف ولكنّ محاولات حصاره وخنقه تتزايد بسبب هذا الزواج الكاثوليكي بين المثقف والسلطة.
التنوير نجح في الغرب بسبب استقلال المثقف، واستقلال الفكر، عن أن يدور في فلك أيّ سلطة. التنوير في عمقه هو تحرير العقول من كلّ السلطات، سياسية واجتماعية ودينية. وليس معنى تحرير العقل تدمير هذه السلطات، بل تحجيم مجال تأثيرها. من هنا ارتبط التنوير في تطوره بإبداع سلطات موازية لتحجيم تغول السلطة السياسية، مثل السلطة الرقابية والتشريعية – النابعة من ممثلي الشعب عبر تطوير آليات الديمقراطية – والسلطة القضائية المستقلة والسلطة الرابعة، سلطة الرأي العامّ المتمثل في الصحافة والإعلام المستقلين، وهي أهمّها. من هنا إقرار مبدأ "الفصل بين السلطات". كلّ هذا لم يتحقق في مجتمعاتنا، ما زالت السلطة السياسية تتغوّل على باقي السلطات، وأحيانا تحوّلها إلى مجرّد أبنية وهياكل وظيفية. الصحافة والإعلام في قبضة الأنظمة السياسية، أو في قبضة المال الذي أصبح جزءا جوهريا من السلطة. المال في العالم العربي ليس نتاج العمل، بل هو إما نتاج ركاز الأرض –البترول- أو نتاج السمسرة. كل ذلك يكشف عن بعض أسباب الخلل في البنى التي يمثل التنوير تهديدا لاستمرارها، فلا تبخل بأي جهد يقتله، أو يخنقه، أو يحاصره وهذا أضعف الإيمان في ظل العولمة التي تكشف عن بعد كل الأسرار.
التواصل مع العامة، كيف؟:
والسؤال الآن: كيف يتواصل المثقف بخطابه مع دائرة أوسع من الجمهور؟ وكيف ينتج خطابا عميقا ومفهوما في نفس الوقت؟ ليس عندي وصفة جاهزة لحلّ هذا المعضل، الذي أعتبره تحدّيا حقيقيّا لكل مثقّف في مجتمعات العالم الثالث، حيث "التعليم" في أزمة عضال. المسألة ليست إنتاج خطاب شعبوي، يطبطب على عواطف وغرائز الجماهير. يقوم الإعلام بتحقيق ذلك بنجاح ساحق: أعني يسحق سحقا كل خطابات المثقفين. المطلوب خطاب نقدي يحترم عواطف الناس ومشاعرهم، دون أن يزايد عليها. من المؤكّد أنّ ما لا تصنعه الشعوب لا يستقرّ في وجدانها الثقافي. وما حدث من تشويه للحداثة وابتسار لقيمها في عملية "التحديث" في العالم العربي لم تقترفه الشعوب، بل اقترفته السلطة التحديثية، بمعاونة مثقف حداثي ظل يراوح مكانه بين التراث والحداثة، دون أن ينتج وعيا علميا بأيّ منهما. لا يمكن تحقيق حداثة علوية – من أعلى – مع المحافظة على البنى التقليدية تحت أيّ مسمّى.
الأوان 3 كانون الثاني 2010

***********************

رحيل نصر حامد أبو زيد
حلمي سالم

 رحل نصر حامد أبوزيد، بعد وعكة صحية ذات وطأة، ليتوقف عن لقاء تلاميذه وقرائه ومحبيه ولتتوقف إسهاماته العقلية النابضة. ونصر حامد أبوزيد هو صاحب أشهر قضية «تفريق» بين الزوجين في العصر الحديث، ربما لم تسبقها سوي قضية تفريق الشيخ علي يوسف عن زوجته، في العشرينات من القرن العشرين، «لعدم التكافؤ» الاجتماعي، فقد كانت زوجته صفية السادات «التي تزوجها عن رضا منها وقبول» ذات حسب ونسب، وهو مجرد شيخ وكاتب فقير، مما يختل معه التكافؤ الاجتماعي «في رأي رافعي القضية من أهلها ذوي الحسب والنسب».
لكن قضية نصر حامد أبوزيد التي تفجرت في منتصف التسعينات الماضية، كانت «الزلزال» الأكبر الذي هز الحياة الفكرية المصرية والعربية، وجسدت حلقة مشتعلة من حلقات الصراع الحاد بين تيار الجمود والنقل والقمع وتيار التجديد والعقل والحرية. نصر حامد أبوزيد «لمن لا يعرف»، هو مكافح عصامي فريد، قبل أن يكون مفكرا إسلاميا مجددا مستنيرا، ولد في إحدي قري طنطا (10 يوليو 1943)، في أسرة بسيطة، لم تتمكن من أن تنفق علي دراسته الجامعية، فعمل بدبلوم الثانوية الصناعية في هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية، ثم حصل علي الثانوية العامة، فليسانس الآداب، فمعيد بكلية الآداب، ثم أستاذ بها، ليصبح «بعرق يده وذهنه» واحدا من المفكرين العقلانيين البارزين في ثقافتنا المعاصرة، وليصبح أستاذا زائرا بجامعة أوزاكا باليابان، وأستاذا زائرا بجامعة ليدن بهولندا، وأستاذ كرسي ابن رشد لدراسة الإسلام بجامعة أوترخت، وليفوز بجائزة عبدالعزيز الأهواني من جامعة القاهرة، ووسام الاستحقاق من رئيس جمهورية تونس، وجائزة اتحاد الكتاب الأردني، ثم جائزة مؤسسة ابن رشد للفكر الحر ببرلين.
كذلك، واحد من «شلة الغربية» المباركة التي أهدت حياتها الثقافية رهطا مميزا من أبناء جيل واحد «تقريبا» في النقد والأدب، مثل: جابر عصفور ومحمد صالح وفريد أبوسعدة ومحمد المنسي قنديل وجارالنبي الحلو وفاروق خلف وفوزي شلبي وسعدالدين حسن وغيرهم. كان نصر حامد أبوزيد قد تقدم في عام 1994 ببحوثه إلي لجنة الترقيات بجامعة القاهرة للحصول علي درجة «أستاذ»، فأصدرت لجنة الترقيات تقريرا يتهم نصر وأبحاثه بالكفر والإلحاد والخروج عن ثوابت الإسلام، وسرعان ما صارت القضية معركة ثقافية فكرية، طرفها الأول دعاة الكبت والظلام، وطرفها الثاني دعاة الحرية والضوء، استند أهل الكبت والظلام إلي قانون «الحسبة»، ليفلحوا في أن تصدر المحكمة، التي استندت هي الأخري إلي مرجعية دينية، حكما بالتفريق بين المفكر «المرتد» وزوجته د. ابتهال يونس وهي أستاذة جامعية، وحينها ترك المفكر المجتهد وطنه ليعيش في المنفي بهولندا، يدرِّس في جامعاتها ويواصل عمله الجاد، في مناخ علمي يحترم العقل والإنسان. من غرائب هذه الواقعة أن الشيخ الدكتور عبدالصبور شاهين كان أحد أعضاء لجنة الترقيات التكفيرية، وأبرز قادة حملة اتهام أبي زيد بالارتداد، سرعان ما دار عليه «سيف الحسبة» الذي رفعه علي رقبة أبي زيد، فلم تكد تمر ثلاث سنوات حتي تم تكفير عبدالصبور شاهين نفسه، من رفاق الظلام السابقين واتهامه بالارتداد، بعد إصداره كتاب «أبي آدم»، وكأننا نجد مصداقا لقول الرسول الكريم «من كفَّر أخاه، فقد باء بها»، أي عادت الفعلة الشائنة إليه وانقلبت عليه، أو كأننا نجد مصداقا للقول المأثور، بتصرف: «من كفَّر كُِّفرَ ولو بعد حين»، ولم يدافع عنه سوي العقلانيين المستنيرين، الذين كان يكفرهم بالأمس، والذين دعموا حريته في إبداء فكره، بصرف النظر عن الاختلاف والاتفاق في هذا الفكر، وبعيدا عن الخطأ والصواب، انطلاقا من أن المجال الطبيعي للاختلاف واتضاح الخطأ من الصواب هو السجال الفكري، وليس التكفير أو ساحات المحاكمة أو المصادرة أو الإقصاء..
 أصدر أبوزيد «الذي رحل قبل عيد ميلاده السابع والستين» بخمسة أيام، كتبا عديدة من بينها: الاتجاه العقلي في التفسير، فلسفة التأويل، مفهوم النص، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، نقد الخطاب الديني، المرأة في خطاب الأزمة، النص السلطة الحقيقة، دوائر الخوف، الخطاب والتأويل، هكذا تكلم ابن عربي، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، التفكير في زمن التكفير، القول المفيد في قضية أبوزيد. لقد ثارت ثائرة السلفيين وأهل الجمود والكبت علي نصر حامد أبوزيد لأنه طالب بالتمييز أو «الفصل» بين الدين والخطاب الديني، وهو تمييز يتعارض مع مصالح هؤلاء السلفيين ويقوض سطوتهم اللاهوتية كوسطاء ضروريين بين العبد والرب. دعوة مفكرنا هي أن «القرآن» مقدس، لكن طرائق قراءة القرآن غير مقدسة، لأن فهم النص مسألة بشرية، تخضع للأهواء وللمصالح وللكفاءة الذهنية والدرجة المعرفية والانتماءات السياسية أو الاجتماعية، وإذا كان فهم النص المقدس عملية بشرية، فهو من ثم يخضع للمناقشة والمساءلة والفحص والنقد والنقض، أي لكل ما يخضع له كل جهد بشري يخطئ ويصيب.
 لذلك هاجم أبوزيد كل قراءة حرفية ضيقة للنص المقدس واعتبرها قراءة مغلقة أو ناقصة أو مغرضة أو معطلة للتقدم البشري، وفضح الأغراض السياسية أو الطبقية أو الذاتية وراء مثل هذه القراءات الحرفية الضيقة، كما عارض تحول القراءات البشرية للنصوص المقدسة إلي نصوص مقدسة هي الأخري. دعوته، إذن، هي القراءة التأويلية المفتوحة والمنفتحة علي التعدد والتنوع، هذه القراءة هي التي تنهض علي الاتجاهات العقلية، وعلي المجاز وتكاثر التأويلات، ولا تنهض علي العسف الأحادي المؤدي إلي التسلط والجفاف والإرهاب. نصر حامد أبوزيد، بذلك، هو أحد ورثة علي بن أبي طالب، رائد التأويل في الثقافة الإسلامية حينما نبه أصحابه إلي أن «القرآن حمّال أوجه» تتعدد وجوهه بحسب وجهة مفسره أو شارحه أو قارئه، إذ «هو سطور مسطورة، إنما ينطق بها رجال»، وهو أحد ورثة المعتزلة في الرؤي العقلانية التي تجعل العيني الضيق مجازيا متسعا، وهو أحد ورثة المتصوفة المسلمين حينما استقل «مركبة بن عربي»، وهو أحد ورثة بن رشد حين دعا إلي الاحتكام إلي تأويل العقل إذا تعارض ظاهر النص مع خبرة الإدراك السليم، موائما بين الشريعة والعقل علي أساس أن كليهما حق «والحق لا يضاد الحق».. هذا المركب العميق المنسجم عند أبي زيد مسبوك في بوتقة «عصرية» تعيش زماننا الحاضر ومصلحة تقدم ناسه المعاصرين، انطلاقا من أن «شرع الله» يوجد حيث توجد «مصلحة» الإنسان. تحية طيبة إلي روح «الغرباوي»، عامل اللاسلكي، مجاور السيد البدوي، الذي صار بالإرادة وإعمال العقل واستنفار طاقة الخلق عند المخلوق، واحدا من فاتحي باب «الاجتهاد» علي الشمس والهواء، بعد أن كان السلفيون النقليون قد ظنوا أنهم أغلقوه ورموا مفتاحه في بحر الظلمات، وبطاقة الخلق عند المخلوق، هذه، سيغلب نصر مرضه، ويمارس عليه عملية «تأويل» منفتحة، لصالح الحياة، وصحة الجسد والعقل، لقد هزم نصر حامد ابو زيد السلفيين وانتصر للعقل والإنسان ولكن المرض اللعين غيبه عن عالمناجسدا ليبقي فكرا ينير الطريق للساعين نحو الحق والخير والجمال.
الأهالي المصرية 8 تموز 2010

********************

محنة نصر حامد أبوزيد
جابر عصفور

 ها أنا اليوم الخامس بعدما وارينا جثمان نصر حامد أبو زيد التراب، وتركناه وديعة بين يدي خالقنا جميعاً، ودعونا له بالرحمة، وبأن يبدله الله داراً خيراً من دارنا، وأن يعوضه عما لاقاه من عنت وتعصب مقيت واتهامات باطلة، وأن يحاسب الذين ظلموه وآذوه، ودفعوه إلى الرحيل عن وطنه الذي أحبه، وعن جامعته التي ظل متعلقاً بها، حالماً بمستقبل واعد لها، حتى في ما سماه التفكير في زمن التكفير، وظلت قريته قحافة الملاصقة لمدينة طنطا في وسط دلتا النيل مهوى فؤاده، والواحة التي يجد الراحة بين أهلها، أهله، الفقراء البسطاء الذين لم يتخلوا عن حبه، في أية لحظة من لحظات محنته، ولم يقلّ حبه لهم وحدبه على المحتاجين منهم، فكان باراً كل البرّ بأهله الذين أودعوه القبر معنا، واضعين جثمانه بين أهله الذين سبقوه إلى رحمة الله، مصلّين عليه في المسجد الذي اعتاد الصلاة فيه مع أبيه الذي تركه صغيراً، فعرف مرارة اليتم، لكن ضرورة تحمل مسؤولية أسرته الصغيرة بحكم كونه أكبر أبنائها، لم تجعله يهدأ إلا بعدما قاد الأسرة الصغيرة إلى شاطئ النجاة، فماتت أمه راضية مرضية عنه، ومات أخوه الأصغر منه محمد بعدما رعاه نصر في أثناء مرضه المميت، وظل على رعايته لزوجه وأولاده الذين أوصى ابتهال زوجه بهم خيراً بعد وفاته ويبدو أنه كان يتوقع موته، فقد طلب مني، منذ عام أو يزيد، أن أجمع له كل أصدقاء الصبا من أبناء المحلة الكبرى التي عرفناه فيها، فنياً في قسم اللاسلكي من شرطة النجدة، كي يلتقي بنا جميعاً، ونسترجع الزمن الجميل الذي مضى، ففعلت، فاجتمع محمد صالح الشاعر رحمه الله، ومحمد فريد أبو سعدة الشاعر المعروف، وجار النبي الحلو الذي أصبح كاتب رواية مرموقاً، وسعيد الكفراوي القاص المبدع الذي لا يزال أكثرنا براءة وتلقائية، لم يغير منه الزمن الغادر، ولا الأحزان المتكررة،.
وتذكرنا في لقائنا الذي امتد لساعات كل الذين رحلوا قبلنا، زكريا والششتاوي التوابتي، وأحمد عسر ورمضان جميل، وظللنا نسترجع ذكريات المحلة ونضحك من القلب، بعدما نسينا كل ما مر بنا وبه، واكتشفنا أن عمر صداقتنا يرجع إلى نصف قرن، وتذكرنا محمد المنسي قنديل الذي كان راحلاً للعلاج، فدعونا له بالشفاء وطول العمر، وداعبنا محمد صالح بأن قال لنا آن الأوان أن نخطط للخمسين سنة المقبلة، وضحكنا من القلب، معلقين: وهل سنكمل، أيها المجنون، قرناً من الحياة؟ وكان محمد صالح، بعد هذا اللقاء أسبقنا إلى الموت، وبكاه نصر معنا، وعاد من منفاه الإجباري وذهبنا معه لعزاء أسرة محمد صالح في بيته، وعندما عرف بعيد ميلاد سعيد، أصر أن نحتفل به معه في منزله الصغير بالقرب من المستشفى الذي مات فيه، ملحّاً على أن يكون اللقاء عائلياً، يضم كل أسرنا، محمد صالح وأنا وسعيد مع أولادنا، فما كان أكثر حدبه عليهم، وحبه لهم، فقد ظل يرى فيهم أولاده الذين لم ينجبهم، ولذلك كان حزنه عميقاً موجعاً على وفاة ابنتي سهير بعد تعقيدات ولادتها الأولى، رحمها الله والتوأم الذي مات معها، فقد كان أحن عليها مني، وهي كانت اقرب إليه من حبل الوريد ولن أنسى بكاءه عليها وهو يعزيني بالهاتف، إلى الدرجة التي دفعتني إلى الخوف، فقد كان هذا دأبه من الحنان الذي يجعله قريب الدمع.
وهاأنذا بعد خمسة أيام، أستعيد الوعى، وأسترجع محنة نصر أبو زيد التي هي محنتنا جميعاً، نحن مثقفي الاستنارة وأنصار الدولة المدنية في كل تياراتها، وهي محنة الثقافة العربية المعاصرة كلها، وهي محنة تستحق منا التأمل الطويل والتفكير في دلالاتها، فضلاً عن أسبابها، أملاً في ألا تتكرر هذه المحنة في المستقبل، فإن الخطر الذي تكشفه محنة نصر أبو زيد أشبه بما يظهر من جبل الجليد العائم، ما خفي منه أعظم مما يظهر، فهي محنة عميقة الجذور في الماضي، متعددة المظاهر المتشابكة في الحاضر، ولذلك فمن المهم تحليلها بهدوء، على الأقل من وجهة نظر شهودها، وحتى الذين أسهموا في صنعها، وهم لا يتأخرون في إعلان آرائهم، بل للأسف العميق لا يخفون شماتتهم في موت نصر، غير محترمين حرمة الموت، ناسين أن الرجل أصبح عند خالقنا، جميعاً، يحاسبه بعدله، كما سيحاسبنا جميعاً، فلا مناص لنا من الوقوف بين يديه العادلتين، مجردين من كل زهو دنيوى، أو مكابرة زائلة، أو سلطة دنيوية لا قيمة لها، حيث لا يبقى إلا الحق في ميزان الحق الذي لا إله إلا هو.
والدلالة الأولى التي خطرت على بالي، الآن، وأنا أكتب هذا المقال، هي الجامعة التي بدأت منها المحنة، فقد انحدرت هذه الجامعة انحداراً عظيماً بعد أن تدخلت في شؤونها الداخلية الدولة التسلطية التي شاع نموذجها في العالم العربي، وقد سبق أن نقلت عن خلدون النقيب، عالم الاجتماع الكويتي المرموق، أن الدولة التسلطية هي الدولة التي تسعى إلى الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع لمصلحة الطبقة أو النخبة الحاكمة التي تنتسب إليها وهي تتميز بخصائص دالة، أولاها أنها تحقق احتكارها للسلطة من طريق اختراق مؤسسات المجتمع المدني، وتحويل منظماته التضامنية، كي تعمل بصفتها امتداداً لأجهزة الدولة. وثانيتها أن هذه الدولة تخترق النظام الاقتصادي وتلحقه بها، سواء من طريق التأميم أو توسيع القطاع العام، أو الزواج غير العنيف غالباً بين رجال الدولة ورجال الثروة… وثالثة هذه الخصائص أن شرعية نظام الحكم، في الدولة التسلطية، تقوم على العنف أكثر من الاعتماد على الشرعية التقليدية. ولذلك يقترن وجودها من حيث هي دولة، بعدم وجود انتخابات لها معنى حقيقي، أو تنظيمات مستقلة عن الدولة، أو دساتير فاعلة، أو مشوهة لمصلحة السلطة الحاكمة، أو إلغاء الدساتير، أو تعليقها، في موازاة تجميد الحقوق المدنية، وتحويل نسبة كبيرة من الدخل القومي إلى الإنفاق على الأجهزة القمعية لهذه الدولة… والرابعة هي توجيه الأجهزة الإيديولوجية للدولة إلى أن ترسّخ في وعي المواطنين – الرعايا – أهمية الإجماع على ما تراه النخبة الحاكمة، بصفته اليقين الوحيد الذي هو قرين الإلحاح على مركزية القيادة التي يختزلها الحاكم الأوحد، الزعيم الملهم، رب العائلة، أو المهيب الركن، أو القائد الأوحد، واستبدال قواعد الوحدة ورفض الاختلاف بمبادئ الحرية وحق الاختلاف، وتأسيس التراتب الهرمي الصارم بين القيادات بصفته الوجه الملازم للتراتب العسكري، ومن ثم إلزام المرؤوس بالطاعة العمياء للرئيس في كل مجال، تأصيلاً لحضور البطريركية في المجتمع… وآخر هذه الخصائص التحالف مع القوى الدينية إذا لزم الأمر. فالدين بالملك يبقى، والملك بالدين يقوى، ولذلك إما أن تغض هذه الدولة النظر عن قمع السلطة الدينية، أو تجاريها، أو تسمح لها بالعبث بالدستور، أو الإسراف في تديين المواطنين، ما ظل الأمر في مصلحة الدولة التسلطية، وإلا فإعلان القطيعة والحرب.
وكان أول نواتج هذه الخصائص الملازمة للدولة التسلطية، في مصر، طرد أكثر من خمسين أستاذاً من الجامعات مع أزمة آذار (مارس) 1954، أيام عبدالناصر والتحالف مع تيار الإسلام السياسي الذي سكت على طرد نحو مئة أستاذ وصحافي وعامل في أجهزة الإعلام في أزمة أيلول (سبتمبر) 1981، وقبلها طرد الإعلاميين الذين اتهموا بعلاقتهم بمراكز القوى التي انقلب عليها السادات عام 1971، وقبل ذلك السماح للأزهر بطرد أحد علمائه، بعدما اجتهد اجتهاداً مخالفاً عام 1955.
الجامعة والسلطة
والواقع أن التنكيل السياسي برجال الجامعة كان بلاء أصاب الجميع، فلم يحاول واحد منهم أن يفكر أو يكتب أو يجتهد أو ينشر اجتهاداً مخالفاً للجماعة التي أصبحت تنوب عن الدولة التسلطية. ويعني ذلك فرض التقليد على العلوم الدينية والمدنية. وعلى رغم ذلك صرخ طه حسين الشيخ صرخته الجسورة الأخيرة في ولاة الأمر في الدولة التسلطية، قائلاً: «لتصدقني الحكومة أن عليها للدين واجباً، وأنها تسرف على نفسها وعلى الناس إذا قصرت أو تأخرت في أداء هذا الواجب، وهو أن تحمي الناس من المحاكمة على آرائهم في العلم والدين، ومن عقابهم على الخطأ في العلم والدين أيضاً».
ولكن لم يستمع أحد الى هذه الصيحة التي أطلقها طه حسين في الزمن الناصري مؤكداً أنه مات قبل أن يدرك أن الزمن الساداتي سيأتي بما هو أكثر وبالاً على الجامعة، فتحالف السادات مع الإخوان المسلمين قد يكون أفاده في تقليص نفوذ القوميين واليساريين، لكنه أصاب الليبراليين بالقدر نفسه، وأسلم لتيارات الإسلام السياسي مفاتيح الجامعة، فأشاعوا نوعاً من الإرهاب الديني، اقترن بالاعتداء على الأرواح والأجساد على السواء، وفرضوا التقليد والخوف من الاجتهاد الفكري الذي أصبح مغامرة لا تحمد عقباها. أما مفاهيم تحليل أو نقد الفكر الديني أو الخطاب الديني، فقد أصبحت إثماً لا بد من استئصال شأفة قائله والمشجع عليه على السواء، خصوصاً بعدما أفلحت نزعة التديين والتقليد في سجن نزعات التجديد العقلاني والابتكار في القوارير التي تسجن فيها العفاريت، كي يخلو الفضاء الجامعي لأهل التقليد والنقل، وورثة الفكر السلفي ذي الصلة العضوية بالإخوان المسلمين.
في هذا المناخ الجامعي، تقدم نصر أبو زيد بإنتاجه العلمي إلى اللجنة الدائمة لترقية الأساتذة في الجامعات المصرية في التاسع عشر من أيار (مايو) عام 1992، وتم توزيع الإنتاج في الثامن والعشرين من الشهر نفسه وتشكلت لجنة لقراءة الإنتاج العلمي من شوقي ضيف ومحمود علي مكي وعوني عبدالرؤوف. أما الدكتور شوقي ضيف، رحمه الله، فقد كنت أعرف مدى محافظته، ورفضه تيار التجديد الذي كان يراني ممثلاً له في الأدب والنقد، ونصر ممثلاً له في درس الخطاب والتفكير الديني على السواء… وكنت أعرف من أستاذي شكري عياد، رحمه الله رفضه الشخصي الحاسم لمواقف شوقي ضيف المتعصبة التي كان يقرنها برجعية الفكر وانغلاقه، وقد أخبرني، ذات مرة، أن شوقي ضيف كان أحد الذين تسببوا في محنة أحمد محمد خلف الله، عندما كتب أطروحته الإشكالية «الفن القصصي في القرآن الكريم» ورفض قبولها للمناقشة لخروجها على المأثور من القواعد المألوفة في معالجة النصوص القرآنية، وقد تم إلغاء أطروحة خلف الله، زميل شكري عياد في التتلمذ على يدي أمين الخولي، فاضطر شكري عياد، إلى تغيير مساره في مدى البحث البلاغي، والاكتفاء بأطروحة الماجستير التي كانت تحليلاً أسلوبياً لمشاهد القيامة في القرآن الكريم، وانتقل إلى دراسة «تأثير كتاب الشعر لأرسطو في البلاغة العربية».
أما خلف الله فاضطر، بعد نقله من الجامعة عقاباً له، إلى كتابة أطروحة جديدة عن صاحب «الأغاني» الأصفهاني وكان كلاهما، شكري عياد وأحمد محمد خلف الله، يحاولان تطبيق ما نادى به أستاذهما أمين الخولي باسم «المنهج الأدبي في درس النص القرآني» وما يترتب عليه من تغييرات منهجية.
وللأسف، لم يكن نصر ولا أنا نعرف هذا التاريخ القديم لمواقف شوقي ضيف التي كتمها شكري عياد في نفسه، وكان كتوماً جداً، ولم يبح لي بها إلا بعد أن شكوت إليه من بعض ما كان يعاملني به أستاذي شوقي ضيف الذي لا أزال أجلّه كل الإجلال، فانفجر شكري عياد في وجهي بما كتمه طويلاً، وبما كتمته أنا عن نصر، ولم أخبره به إلى أن غادر الدنيا، عملاً بوصية المرحوم شكري عياد، حفاظاً على شكل العلاقات الإنسانية. وأجد نفسي في حلّ من هذه الوصية بعد رحيل الجميع، وبقائي وحدي، منتظراً اللحاق بهم وما لم أخبر به نصر كذلك ولا يعرفه أحد إلا أنا والدكتور محمود مكي وأحمد مرسي، مدّ الله في عمريهما، أن شوقي ضيف قرأ الإنتاج، فإذا به أمام منهج جديد لم يألفه من قبل، فضلاً عن أنه ما كان راضياً عن منهج الخولي ولا المتابعين له، فاتخذ موقفاً سلبياً من الإنتاج، وكتب تقريراً سلبياً ولكنه، تحسباً للأمور، ومعرفة منه بأنني رئيس القسم الذي ينتسب إليه، بعدما انتقلت الرئاسة إلي في تعاقب الأجيال، طلب لقاء محمود مكي الذي كان يعرف قربه مني وقرأ عليه التقرير، وطلب رأيه.
والحق أن محمود مكي صارحه برأيه السلبي في تقريره الذي انتهى إلى رفض ترقية نصر، وأبلغه أن عوني عبدالرؤوف وهو، مد الله في عمريهما، انتهيا إلى الترقية في تقريرهما، وشعر المرحوم شوقي ضيف أنه سيكون في وضع محرج، فطلب من محمود مكي أن يناقش تقريره معي، سراً، بصفتي رئيساً للقسم الذي هو حريص على صورته فيه، ولا تزال هذه الصورة قائمة يجللها الاحترام، مهما كان الاختلاف الفكري. وجاءني محمود مكي بالتقرير في بيتي، جوار بيت شوقي ضيف، وقرأت التقرير، وانتهيت إلى أن الرفض قائم على أساس اختلاف المنهج والفكر… وبعد أن انتهيت من القراءة والتفكير، وانتهى مكي من سؤال سهير ابنتي، رحمها الله، عن أحوالها في الدراسات الإسبانية التي أسهم في إغرائها بها، سألت محمود مكي عن تقريره، فقال إنه يرى ترقية نصر لأن إنتاجه يستحق، وإذا كانت هناك هفوة هنا أو هفوة هناك، فهي لا تقلل من قيمة الإنتاج العلمي على الإطلاق، فما أكثر الذين تولت اللجنة ترقيتهم وهم أقل شأناً وقيمة، وحاولت أن أوضح للعزيز محمود مكي أن الترقية العلمية، تتم على أساس من قيمة الجهد والاجتهاد في المجال المنهجي، وأن الإنتاج العلمي يرقى لا الى اتفاقه مع آراء لجنة التحكيم أو منهجهم، فالأصح أن يرقى بسبب اجتهاده ومغايرة منهجه، وإلا ما تقدم البحث العلمي وأخبرني مكي أنه مقتنع بذلك، وأنه حاول إقناع شوقي ضيف، ولكنه لم يفلح بسبب رفضه الجذري لمناهجنا الجديدة التي تستعين بالهرمنيوطيقا والسيميوطيقا والبنيوية والتفكيكية، فقلت، إذاً، هو الخلاف الحتمي، وسأرفض تقريره في مجلس القسم، واثقاً بأن هناك من سيقف معي، فنحن ورثنا احترام تقاليد الاختلاف منكم، ولن نقبل أن تصرفونا أو نصرفكم عنها.
وهنا، قال محمود مكي لا داعي لذلك كله، فلولا حرص شوقي ضيف على معرفة رأيك، ما أرسلني إليك، وأنا سأجد حلاً معه، أو أقنعه بتغيير التقرير. وبعد أيام، قابلت محمود مكي، فقال لي إن شوقي ضيف سينسحب من اللجنة الثلاثية، وأنه سيترك مكانه لعبدالصبور شاهين، وانتابني الوجوم، فأنا أعرف فكر عبدالصبور شاهين ومواقفه المعلنة، وانحيازه إلى جماعات الإسلام السياسي والتيارات السلفية، ولكنني قلت لنفسي: لا تتعجل الحكم، ودع الأمور تجري في أعنتها، وليرعَ الله إنتاج نصر في مواجهة أنياب الفكر السلفي المتزمت.

****************************

شارك هذا الموضوع:

  • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
  • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
  • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة

معجب بهذه:

إعجاب جاري التحميل…
Share322Tweet202SendShare
Previous Post

الديمقراطية التركية: مسافة امان بين المسجد ودار القضاء

Next Post

واشنطن تحرّك التسوية في الجولان اذا فشلت مع الفلسطينيين

Next Post

واشنطن تحرّك التسوية في الجولان اذا فشلت مع الفلسطينيين

مستقبل اوباما معلّق بالملفات الاقليمية العالقة

لبنان يتأرجح

حزب الشاي

الفلسطينيون في غياب الحوار يركنون الى رغباتهم

اترك ردإلغاء الرد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

https://youtu.be/twYsSx-g8Dw?si=vZJXai8QiH5Xx9Ug
سبتمبر 2026
س د ن ث أرب خ ج
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  
« أغسطس    
  • الأرشيف
  • الرئيسية
المقالات المنشورة ضمن موقع الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع الا تلك التي تصدرها هيئة التحرير

© 2003 - 2021 - موقع الرأي

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In

Add New Playlist

No Result
View All Result
  • الأرشيف
  • الرئيسية

© 2003 - 2021 - موقع الرأي

%d