اللوموند دبلوماتيك العربية 20/ 09/ 2010
ضمن حقول البقاع
في الحقيقة، يدخل معظم العمّال السوريّين إلى لبنان ويخرجون، بشكلٍ نظاميّ، وليس تهريباً وتسرّباً عبر الحدود؛ كما أنّ محافظة الرقّة لا تشكّل منبعهم الوحيد ولا البقاع وجهتهم الأساسيّة.
فقد وقّع البلدان في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر 1994، على اتفاقيّة ثنائيّة في مجال العمل ضمن إطار "معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق بين البلدين". وقد لحظت هذه الاتفاقية سهولة تحرّك العمّال السوريين الموسميين إلى لبنان [1]، مؤسّسةً "لبطاقة بيضاء" تسمح لصاحبها بالدخول والإقامة في الأراضي اللبنانيّة، دون السؤال عن عقد عمل، لا من الطرف السوري ولا من الطرف اللبناني. وقد شكّل هذا الاستثناء القاعدة التي سمحت للبنان بإخراج العمّال السوريين من قوانين العمل الإلزاميّة (بما فيها حقوق العمل والضمان الاجتماعي) حتّى لو كان العمل دائماً في الواقع، ولسورية بإيجاد سبل لتشغيل قوّة العمل الفائضة [2].
العمالة السورية في لبنان ليست مشكلةً حديثة، ولم تبدأ مع التدخّل السوري في لبنان عام 1976. إذ تشير الدراسة المرجعيّة المستفيضة عن أوضاعهم [3] أنّه في عام 1970 وحسب الإحصاءات الرسميّة اللبنانيّة حينها، عدّ العمّال السوريّون في لبنان حوالى 280 ألفاً (فقط 20% منهم عمّال موسميّون) مقارنةً مع قوّة عمل لبنانيّة الأصل تعدّ 572 ألفاً. ثمّ انخفض هذا العدد نوعاً ما خلال الحرب الأهليّة، ولكن بقيت نسبته كبيرة طوال سنين لهجرة الكثير من اليد العاملة اللبنانية إلى الخارج. وعاد عدد هؤلاء العمّال للارتفاع بشكلٍ ملحوظ بعد اتفاق الطائف وورشة إعادة الإعمار التي تلتها، ثمّ تراجع مع الأزمة المالية اللبنانيّة في 1999-2000. واليوم حتّى بعد الأزمة التي قامت بين البلدين في 2005 وخروج القوّات السوريّة من لبنان، تعدّ أقلّ التقديرات العمّال السوريين في لبنان بـ300 ألفاً، في حين يصل حجم قوّة العمل اللبنانيّة (المواطنة) إلى حوالى 1.2 مليون شخص؛ أي أنّهم يشكّلون في أقلّ تقدير ربع قوّة العمل اللبنانيّة؛ مع العلم أنّ هذا يساوي 6% من قوّة العمل السوريّة (حتّى 14% منها إذا ما أخذنا التقدير الأقصى لعددهم الحالي بـ700 ألف، مع العمّال الموسميين).
وفي الواقع، لا يشكّل العمّال الزراعيّون الموسميّون إلاّ جزءاً ضئيلاً من مجمل العمّال السوريين في لبنان، الذين يشتغلون خاصّةً في قطّاع البناء والمهن المتدنيّة في المدن (التنظيف، حراسة المنازل، إلخ) [4]، وفي كافّة المناطق بمعزل عن التوزيع الطائفي في لبنان؛ ومعظمهم يعيش في ظروفٍ مزرية. وعدد العمّال الزاعيين في سورية نفسها يقدّر بـ202 ألفاً فقط (المشتغلون بأجر نقدي أو عيني) [5]؛ إلاّ أنّ ضغوطاً جديدة على سوق العمل الزراعي قد ظهرت في السنوات الأخيرة، خاصّةً في منطقة الجزيرة (بين نهري الفرات ودجلة) – التي أعلنتها الحكومة السورية أخيراً منطقةً منكوبة – أتت من "إصلاحٍ زراعيّ مضاد" بعد خصخصة مزارع الدولة سنة 2003 وإقرار قانون العلاقات الزراعيّة الجديد لعام 2006، الذي ألغى عدم إمكانية طرد الفلاّحين غير الملاّكين من الأراضي التي يعملون عليها [6]. وحتّى الملاّكين منهم، أعيتهم كلف الإنتاج (مستلزمات الضخّ خاصّةً) ثمّ سنين الجفاف، فتركوا أراضيهم. هكذا انحسر عدد المشتغلين في القطاع الزراعي في سورية من 1.5 مليون نسمة عام 2001 إلى 800 ألف فقط عام 2008 (انخفضوا في محافظة الرقّة من 120 ألفاً يعملون في الزراعة عام 2001 إلى 64 ألفاً عام 2008)؛ وكان الانخفاض أقسى على الإناث عموماً، من 470 ألفاً يعملنَ في الزراعة عام 2001 إلى 170 ألفاً فقط عام 2008. هكذا تشهد الزراعة السوريّة، كما اللبنانيّة، تحوّلاً نحو نمطٍ رأسماليّ، لا تهمّ فيه ملكيّة الأرض بحدّ ذاتها بقدر السيطرة على وسائل الإنتاج الأخرى (حفر الأبار وضخّ المياه خاصّةً بطرقٍ غير شرعيّة، والمكننة، والسماد بعد تحرير أسعاره)، التّي تُمكِّن من استثمار حيازات كبيرة بمئات الهكتارات. وبالتالي تتسارع وتيرة الهجرة من الريف إلى المدينة بشكلٍ غير مسبوق، ممّا يضيف إلى الضغوط التي تعاني منها سوق العمل السوريّة، مع العلم أنّ سورية استقبلت في 2005-2006 أكثر من مليون لاجيء عراقي، دخل كثير منهم إلى سوق العمل الذي معظمه… غير نظاميّ.
تجدر أيضاً ملاحظة أنّ ما أمكن استمراريّة كثافة التشغيل السوري في لبنان دون حقوق طوال فترات طويلة، هو إمكانيّة استفادة العمّال السوريين من مجّانيّة النظام الصحّي السوري. إذ اعتمد هذا النظام خلال عقود على مستوصفات ومستشفيات حكوميّة تقدّم العلاج مجّاناً إلى المواطنين، دون السؤال عن وضعيّتهم في العمل أو في التأمينات الاجتماعيّة. وهذا ما كان يسمح مثلاً للعامل في لبنان في حال إصابته، أن ينتقل بسرعة إلى سورية للعلاج (وحتّى لبعض اللبنانيين الفقراء). إلاّ أنّ هذا النظام الصحيّ قد بدأ يتحوّل تدريجيّاً؛ فقد طلب من المستشفيات الحكوميّة أن تكون ذات مردوديّة اقتصاديّة، وأن تفتح بابين، أحدهما للمعالجة المدفوعة الكلفة؛ مّما قلّص حظوظ المعالجة المجّانيّة. كما تحاول الحكومة حالياً الانتقال إلى نظامٍ صحيّ جديد يقوم على "الشراكة" مع شركات التأمين الخاصّة التي سمح لها في البلاد منذ 2004؛ أي أنّ سورية أيضاً في طور الانتقال من الصحّة كخدمة عامّة توزيعيّة إلى… الخدمة الخاصّة عبر الرسملة.
في سورية كما في لبنان، نحن بعيدون إذاً، بل نبتعد أكثر، عن الطموح الذي كانّ قد أطلقه الدكتور عزّت الطرابلسي، كبير الاقتصاديين السوريين في مرحلة ما بعد الاستقلال الذي طالب بتنظيم العمل الزراعي الموسميّ، وإخضاعه إلى قوانين عمل، وإلى الرعاية الصحيّة، والحماية من البطالة [7].
* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com
[1] منذ 1956، لا يحتاج أيّ مواطن من جنسيّة عربيّة إلى سمة (فيزا) لدخول سورية والإقامة فيها. ويتمّ التنقّل بين لبنان وسورية بالهويّة الثبوتيّة فقط.
[2] John Chalcraft, The Invisible Cage. Syrian Migrant Workers in Lebanon, Stanford University Press, 2009. ويمكن مراجعة هذه الافاقية على موقع مجلس الشعب السوري
[3] John Chalcraft, The Invisible Cage; op. cit.
[4] تقول دراسة أجريت في 2008 من قبل INFOPRO أنّ 75% يعملون في قطّاع البناء.
[5] إحصاء قوّة العمل في سورية، 2008، المكتب المركزي للإحصاء سورية؛ يضاف إلى هذا الرقم 241 ألفاً يعملون في الزراعة دون أجر. كلّ الأرقام المذكورة تالياً من هذا المرجع إلاّ في حال أشير إلى غير ذلك.
[6] Myriam Ababsa: Contre-Réforme Agraire et Conflit Fonciers en Jazira Syrienne (2000-2005) ; REMMM, no 115-116, 2007, pp 211-213; Samir Aita: Labour Market Policies and Institutions in Syria, with a Focus on Inclusion, Equal Opportunity and the Informal Economy; ILO study 2009.
[7] عزّت الطرابلسي: الخطوط الكبرى للسياسة الاقتصادية والاجتماعية في سورية العربية، محاضرة في 3 حزيران/يونيو 1962.




















