في كانون الثاني (يناير) من العام 2008 رحل الدكتور جورج حبش عن العالم. كان الرجل، الذي لُقب بحكيم الثورة الفلسطينية، من مؤسسي حركة القوميين العرب وقادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في العام 2000 تنازل طوعا عن منصب الأمين العام للجبهة الشعبية، وعندما تُوفي بالعاصمة الأردنية عمان، كان يعتاش من راتبٍ يصل إلى 200 دولارٍ أمريكي فقط.
الحكيم دخل التاريخ من أوسع أبوابه في جميع مناحي النضال العربي والفلسطيني، وأصبح رغما عنه الاستثناء وليس القاعدة، فأغلبية الزعماء العرب، لا يتنازلون عن الحكم، إنهم يتشبثون بكرسي الزعامة حتى الموت، أو عندما تقوم مجموعة بالانقلاب، وتعزل الحاكم من منصبه، ويُنصب الابن أو المقرب، حاكما لهذه الدولة، أو تلك المملكة لأن الديمقراطية، كانت وما زالت، وللأسف ستبقى، ماركة نادرة جدا في الوطن العربي الكبير، فها هي مصر، أم الدنيا، أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، تسير بخطى واثقة نحو عملية التوريث. السيد جمال، نجل الرئيس مبارك، الذي يحكم بلاد الكنانة منذ العام 1982، بات المرشح الأوفر حظا لقيادة مصر، ليس لأنه يملك القدرات والمزايا والسمات والكاريزما لتبوؤ هذا المنصب، وليس لأن جحافل المؤيدين تنتشر في جميع محافظات مصر، السبب هو أن السيد جمال، ومع كل الاحترام لشخصه، هو ابن الرئيس.
ولكن هذا ليس كافيا، فبالإضافة إلى القوى السياسية الداخلية في القاهرة، هناك قوى إقليمية وعالمية تتدخل في عملية نقل السلطة بصورة سلسة من الوالد للابن، لتكريس مصطلح الجمهورية الوراثية.
الغربيون، الذين أشبعونا محاضرات وفتاوى عن الديمقراطية، وعن الحاجة الماسة لإدخال هذا المصطلح، نظريا وعمليا إلى المعجم السياسي العربي لا ينبسون ببنت شفة في قضية التوريث المصرية، على الرغم من أنها تتناقض جوهريا ومبدئيا مع القيم الأساسية للديمقراطية، ولا حاجة لأن يكون الإنسان نبيا ليكتشف بأن الغرب المنافق والمراوغ يعمل كل ما في وسعه من أجل دعم ثقافة القمع لدى العديد من الأنظمة العربية، التي باتت سائدة وبقوة في الدول العربية، فالغرب يدعم الديمقراطية عندما يتوصل إلى نتيجة بأن مصالحه في ذلك، والمصالح مختلفة، منها الإستراتيجية ومنها التكتيكية. من هنا، فإن الديمقراطية العربية وفق المواصفات الغربية، تعمل على تأجيج الخلافات الداخلية في هذه الدولة أو تلك، وتؤسس لإذكاء الفتن وحروب الأشقاء، فكيف يمكن لأمريكا، أن تُفسر لنا دعمها المطلق تقريبا لرئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي انتهت ولايته في شهر كانون الثاني (يناير) من العام 2009، فهذه الدولة العظمى، التي تزعم أنها أم الحريات، تُقدم الدعم المادي والمعنوي لرئيس عربي منتهية ولايته، وبموازاة ذلك، وبدون حياء، أو خجل أو وجل، تُقاطع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي وصلت إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، بإشراف دولي.
مضافا إلى ما ذُكر أعلاه، فإن أمريكا لا تُقدم الدعم والعون للأنظمة العربية الرسمية مجانا، (حجم المعونات الأمريكية لمصر يصل إلى مليار دولار سنويا)، وبالتالي فإن الدعم الذي يُقدم وسيُقدم لجمال مبارك للوصول إلى سدة الحكم مرهون ومشروط، بكلمات أخرى، هذا الدعم يفتح الباب على مصراعيه أمام عملية الابتزاز، فجمال مبارك لن يصل إلى السلطة من دون أن يكون قد قدم الالتزامات بتنـــــفيذ السياسة الأمريكية وتطبيق أهدافها التكتيكية والإستراتيجــــية بحذافــــيرها، وباعتقادنا فإن الهدف الأهم لواشنطن وتل أبيــــب يكمن في مواصلة الحفاظ على مصر خارج دائرة المواجهة أو الممانعة، ولا نقل المقاومة، فاتفاقية كامب ديفيد، تمكنت من إخراج هذه الدولة العربية المهمة في الشرق الأوسط من دائرة مواجهة إسرائيل، كـــما تمكن اتفاق أوسلو من عزل المقاومة ووأدها ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهكذا تحولت المقاومة ضد غاصبي الأرض والعرض، إلى إرهاب، أي أن واشنطن وتل أبيب تمكنتا من تمرير هذا المخطط مقابل منح العرب فتات الفتات، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، في اتفاق كامب ديفيد مع مصر، أُعيدت سيناء للمصريين، ولكن إذا راجعنا هذا الاتفاق، الذي وُقع قبل 32 عاما، يتبين لنا أن سيناء، التي كانت محتلة من قبل الدولة العبرية، باتت محتلة من قبل القوات المتعددة الجنسيات، كما أن الاتفاق يؤكد على منع مصر من إدخال قوات الجيش إلى سيناء، لا بل أكثر من ذلك، اتفاق السلام المصري -الإسرائيلي، فتح الطريق لمؤتمر مدريد، وأوسلو، واتفاق السلام مع الأردن، والمفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسورية، والأهم من هذا وذاك، أنه أضفى الشرعية على كل عملية سلمية بين دولة الاحتلال والدول العربية. وبحسب ديفيد سلطان، سفير إسرائيل الأسبق في القاهرة، فإن مصر تشعر الآن بأن الاتفاق أدى إلى تحسن علاقاتها مع واشنطن، كما منح تل أبيب قوة إستراتيجية واقتصادية.
عملية التوريث في مصر دخلت إلى المرحلة قبل الأخيرة، والحزب الحاكم شمر عن سواعده وانتقل من مرحلة الدفاع عن نفسه، مباشرة إلى مرحلة الهجوم، وبالتالي من غير المستبعد أن تسير مصر نحو الفوضى التي سيكون من الصعب السيطرة عليها، فالفوضى ستؤدي إلى مواجهات بين أبناء مصر، والأخطر من ذلك، أنها ستفتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية للعبث بهذا البلد العربي، الذي يجب أن يعود إلى مكانته التاريخية الرائدة في منطقة الشرق الأوسط.
حتى قبل فترة وجيزة قلنا: كم نحن في الوطن العربي بحاجة إلى رئيس مثل الرئيس الفنزويلي، هوغو شافيز، ولكن ربما بسبب صداقاته المتشعبة مع العرب، تحول إلى شبه ديكتاتور ويعمل على سن قانون للبقاء رئيسا مدى الحياة، أي أنه بدل أن يُصدر الديمقراطية للعرب، استورد منهم الديكتاتورية والشمولية. المأساة تكمن في أن شافيز رغم تحفظاتنا عليه في ما يتعلق بالديمقراطية،، كان ما زال رأس الحربة في مواجهة أمريكا وإسرائيل وقوى الشر في العالم، أما زعماء الاستبداد والانبطاح في الوطن العربي، فلا يكفي أنهم أدمنوا على قمع شعوبهم ومصادرة حرياتهم، بل انهم كانوا وما زالوا يرفعون ويحملون لواء الطاعة العمياء لواشنطن وتل أبيب، ألا تعتقدون أننا الآن بحاجةٍ ماسةٍ إلى زعيم عربي مثل جورج حبش، الوحيد الذي أبقى مصطلح التنازل عن الحكم طواعية يعيش في معجم العرب السياسي.
‘ كاتب من اسرة ‘القدس العربي’




















