لا ينبغي أن تقلق إسرائيل إلى هذا الحد من كل صفقة جديدة بين إحدى الدول العظمى وبين دولة شرق أوسطية. الفرق الأساسي من وجهة نظر إسرائيلية هو بين نوعين من الصفقات. النوع الأول هو صفقة قد يؤدي تنفيذها إلى تقويض جوهري، وفي غضون وقت قصير، لحرية عمل الجيش الإسرائيلي ولقدرة ردعه إزاء دول أو منظمات تخوض مواجهة مباشرة وفعالة مع إسرائيل.
أما النوع الثاني، والذي لا يوجد فيه تهديد مباشر، فهي صفقات تزويد سلاح متطور لدول ليس لديها مواجهة مباشرة مع إسرائيل. إن ما يقلق في هذه الصفقات هو احتمال التهديد الكامن فيها في حال تغيرت الأنظمة و/أو الظروف السياسية القائمة في الدولة التي تشتري أو تحصل على هذا السلاح.
هناك بعض صفقات السلاح التي وقّعتها روسيا في السنوات الأخيرة مع سوريا (وكذلك أيضا مع إيران) هي من النوع الأول التي يكمن فيها تهديد مباشر، بمدى سنة – سنتين. الصفقة التي توشك الولايات المتحدة الأمريكية على توقيعها مع السعودية هي من النوع الثاني، الذي لا يوجد فيه تهديد حقيقي وفوري ولكن يُلزم إسرائيل بالتسلح والاستعداد في حال تحققت في المدى الطويل.
ثمة لروسيا مصلحة في بيع سلاح لسوريا لسببين وهما المال والتأثير. فروسيا تسعى لفرض نفسها كعنصر سياسي وعسكري في ساحة الشرق الأوسط مثلما فعل الاتحاد السوفياتي في حينه، وهي تقوم بذلك عبر بيع السلاح. سوريا، التي يرفض الغرب بيعها سلاحا، هي زبون مثالي، ليس لأنها بحاجة إلى سلاح روسي هي خبيرة في استخدامه، بل لأنها بالأخص تملك مالا، مصدره كما يبدو في إيران، وهذا المال يسمح لها بالشراء من الصناعة العسكرية الروسية التي تستصرخ الطلبيات. بالإضافة إلى ذلك سوريا تمنح روسيا في مقابل السلاح الذي تحصل عليه منها، مرفأ أساسيا في اللاذقية الذي يمكن للأسطول الروسي العمل منه في حوض البحر المتوسط, أمام الأسطول السادس الأميركي.
في الوقت نفسه، يدرك صناع السياسة في روسيا أنه في حال تموضعوا بشكل كامل إلى جانب أعداء إسرائيل في الشرق الوسط، سيفقدون موقعهم كوسيط وكجهة ذات تأثير سياسي في المنطقة، وسيفاقمون خصومة الولايات المتحدة وأوروبا حيالهم. هم أيضا لا يريدون أن تزود إسرائيل الدولة التي لها حدود مشتركة مع روسيا – جورجيا، بسلاح حديث. لذلك، فإن سياسة تصدير سلاح الكرملين إلى الشرق الأوسط تحاول السير بين النقاط: روسيا لا تبيع سلاحا إستراتيجيا وهجوميا لدول الشرق الأوسط، لكن تسمح بتصدير سلاح تكتيكي هجومي وسلاح مصنف من جهتها كدفاعي.
منظومة المصالح هي التي منعت روسيا في السنوات الأخيرة من بيع منظومتي سلاح استراتيجيتين لسوريا التي رغبت بهما دمشق بشدة: منظومة الصواريخ المضادة للطائرات من طراز S-300 وصاروخ أرض- أرض نصف الباليستي والدقيق من طراز "إسكندر".
وللأسباب ذاتها، روسيا لا تزود إيران بـS-300 الذي قد يصعًب على إسرائيل والولايات المتحدة تنفيذ عمل ضد المنشآت النووية في إيران. وفي موسكو يعلمون أيضا ان نقل منظومة السلاح هذه إلى إيران سيغضب وسيقلق السعودية والدول النفطية العربية الأخرى بشدة، التي تهتم روسيا بالحفاظ على علاقات جيدة معها.
لذلك، فإن الخبر الذي أطلقه وزير الدفاع الروسي أول أمس في واشنطن ومفاده أن روسيا ستبيع إلى سوريا صاروخاً بحرياً ضد سفن من طراز "ياخونت" غير مفاجئ. بحسب تعريف الكرملين لـ"ياخونت، فهو يُعتبر أيضا سلاحا دفاعيا كونه صاروخاً بحرياً يهدف إلى إصابة سفنٍ هجومية. لذلك، بحسب خطة "بوتين" يسمح ببيع هذا الصاروخ إلى سوريا فقط إن التزمت دمشق بعدم نقله إلى حزب الله أو منظمات أخرى لا تتبع للدولة؟
"الصاروخ الدفاعي" قض مضاجع قائد سلاح البحرية ورئيس هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي، لأن الصاروخ الجديد نسبياً قادر على المس بالقطع البحرية بمسافة تصل حتى 300 كلم من الشاطئ ومجهَّز برأسٍ حربي كبير ومدمّر يحتوي على 200 كلغ من المواد المتفجرة. ومعنى الأمر أن كافة القطع البحرية التابعة لسلاح البحر التي تبحر مقابل شواطئ لبنان أو سوريا، وربما بمسافة عدة عشرات الأميال البحرية من شواطئ شمال البلاد، موجودة في مدى الـ"ياخونت". ويتزايد القلق بسبب المميزات الفريدة للصاروخ، التي تصعّب بشكل كبير عرقلة مساره بوسائل إلكترونية والذي يصعّب كشفه بشكلٍ كبيرٍ على رادار السفينة بسبب تحليقه الملامس لسطح البحر.
هذه المعطيات تنضم سوياً إلى تهديدٍ حقيقي لحرية العمل لدى سفن سلاح البحرية في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط سواء في الأمن الجاري أو في وقت حرب. لذلك، سيضطر سلاح البحرية لتخصيص موارد كثيرة ولتشجيع أساليب قتالية إبداعية من أجل مواجهة الـ"ياخونت"عند وصوله لتنفيذ مهام الدفاع عن شواطئ البلاد أو عن الإبحار التجاري إلى إسرائيل. يجدر الذكر أن معظم الشحنات الحيوية لاقتصاد إسرائيل تصل إلى الموانئ عبر سفن ولذلك سيكون الوضع أخطر بكثير إذا نقل السوريون، كعادتهم، الصاروخ إلى حزب الله الذي سيستخدمه ضد أهدافٍ مدنية وعسكريةٍ في البحر.
الـ"ياخونت" ليس منظومة السلاح الوحيدة التي نقلها الروس أو يعتزمون نقلها إلى سوريا التي تهدد حرية عمل الجيش الإسرائيلي. الصواريخ المضادة للطائرات المستحدثة من طراز" فنتشير1" وكذلك SA-17 الذي تؤمنه روسيا لسوريا تشكّل تهديداً حقيقياً كذلك على حرية عمل سلاح الجو في أجواء لبنان أو سوريا. لا يتعلق الموضوع بصواريخ مضادة للطائرات أو بعيدة المدى بشكلٍ خاص، ولذلك، فإن الروس يصفونها بالسلاح الدفاعي. لكن قابلية نقلها وأحجامها الصغيرة تتيح لبطاريات الصواريخ من هذه النماذج الظهور بسرعة بنمطٍ غير متوقَّعٍ ولا نتوقعه في ساحةٍ ما، وبمفاجأة طائرات سلاح الجو الإسرائيلي عند مجيئها للمهاجمة، كما حصل مع الصواريخ المضادة للدروع الجديدة التي نقلتها روسيا إلى سوريا بكمياتٍ كبيرة والتي قسم منها موجودُ أيضاً بأيدي حزب الله.
("يديعوت أحرونوت" 22/9/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















