عادت السياسة مجددا الى الساحة المصرية، فحتى وقت قريب للغاية، هيمن رهانان أساسيان على الحديث عن مستقبل السياسة في مصر: الأول رهان زاعق للغاية ومنتشر في مشارق الأرض ومغاربها – بالتمني أحيانا وبمعلومات ناقصة في أحيان أخرى وبنظرة قاصرة في أحيان ثالثة – وهو أن البلاد في طريقها الى تغيير جذري انفجاري ثوري من نوع أو آخر. هذا الرهان وجدناه ذائعا وعاليا في الفضائيات التلفزيونية، حتى في صحف سيارة استبد بها الشوق الى انفجار مدو، وتبنته حركات سياسية تصورت أن في سلالم النقابات ومداخلها مع كاميرات التلفزيون، وعدسات المصورين ما يعطيها المنعة والقدرة على تغيير التاريخ.
ومن المدهش أن مؤسسات دراسات سياسية غربية معتبرة مثل مؤسسة كارنيغي الاميركية صدقت هؤلاء وراحت تنفخ في قصتهم، وتستمد من روايتهم معلوماتها عن الواقع السياسي والاقتصادي في مصر مهما كان يغالب الأرقام الحقيقية عن الأمور والأحوال في البر المصري. ولأن الصحافة العالمية سريعة، وليس لديها وقت طويل تقضيه في التفاصيل، فقد وجدت في هذه القصة، وهي تحتوي على الكثير من القصص الفرعية، ما يثير وما يلفت الانتباه، وربما يعطى ثواني قليلة في مقدمات النشرات والصحف العالمية. وكان الأمر يبدو أحيانا وكأنه جزء لا يتجزأ من الرواية العالمية لثورات ديموقراطية ذات ألوان برتقالية وبنفسجية آن أوانها على ضفاف النيل خاصة بعد أن جاءها فارس من فيينا، حيث الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على حصان أبيض يحمل جائزة نوبل في يد، وظواهر جارية على الفايس بوك – العصرية جدا في عالم الشبكات الاجتماعية من ناحية أخرى.
الرهان الثاني، الذي تبنيته دوما، قام على أن مصر دولة قديمة، قد يكون لها حلقاتها الكثيرة، ولكنها مستمرة يتراكم فيها التغيير الذي لا يعرف الطفرة، ومن الممكن أن يتعرض لانتكاسة من وقت لآخر، ولكنه سرعان ما يعود مرة أخرى الى مسار التقدم خطوة بعد خطوة، تماما مثل النيل الذي يسير في طريقه الطويل هادئا مسترخيا من المنبع الى المصب. القناعة في هذا الرهان كانت تبدأ من أن القيمة الأساسية في الثقافة المصرية هي الاستقرار، وفي بلد نهري فإن الفوضى لا تعد من المعاصي بل هي حتما من الخطايا.
ولم يكن هناك في مسارات دول أخرى سارت على الطرق الملونة ما يبهج أو يسر، ورغم إغراء الديموقراطية فإن وجودها دون دولة قوية وطبقة وسطى صناعية ومتقدمة، أقصر الطرق الى أقسى مستويات الاستبداد. ولا يحتاج الأمر الى أكثر من مجرد إلقاء نظرة على ما كان يجري على مدخل نقابة الصحافيين أو المحامين لنتأكد من أن ما رفع من شعارات ديموقراطية كان أشبه بأقنعة لوجوه تسامحت مع كل أنواع الديكتاتورية والفاشية تحت أردية وأعلام شتى. حتى عندما جاء الليبرالي العتيد على جواده الأبيض من فيينا، فسرعان ما وقع في أحضان يسار ويمين ليس فيه درجة واحدة من الليبرالية. وعلى كل الأحوال فسرعان ما انقلب السحر على الساحر، وتراجع عدد التوقيعات المطلوبة من خمسة ملايين توقيع صحيح بالاسم والعنوان والرقم القومي الى مليون واحد يُدّعى به، وثلثاه من توقيعات الإنترنت المشكوك فيها.
أما صلب هذا الرهان فكان أن الدولة المصرية قامت على مؤسسات مهما كانت معضلاتها وأشكال العجز فيها، فإنها قادرة على الاستمرار، وفيها من التقاليد واحترام للكتاب [الدستور] ما يصعب تجاوزه سواء من داخلها أو من خارجها. ومن ناحية أخرى فإن التغيرات الجارية في مصر تجعل الأحوال أفضل كثيرا مما يشاع حتى لو كانت أقل كثيرا مما هو مرغوب فيه. وخلال السنوات الخمس الأخيرة فقط نمت مصر بمتوسط قدره 6.4%؛ ولولا الأزمة الاقتصادية العالمية لتخطى المتوسط 7%، وعندما يستثمر في مصر قرابة تريليون جنيه مصري خلال هذه الفترة، ويتجاوز حجم الأموال الموجودة في المصارف 800 مليار جنيه، فضلا عن وجود ما يزيد على 34 مليار دولار من الاحتياطيات، وإنشاء 8000 شركة في عام 2008 وحده مقابل 2750 في عام 2002، ودخول 4 ملايين شاب مصري كأصحاب مشروعات
ومشاركين في استثمارات خاصة، فإن الحديث عن ثورة وشيكة كان نوعا من أضغاث الأحلام.
وبكل تأكيد، كان الرهان الأول هو الأعلى صوتا خلال المرحلة الماضية، ولكن سرعان ما أخذ هذا الرهان في التفكك تدريجا من الناحية السياسية عندما ظهر أن الجمعية الوطنية للتغيير لا تختلف كثيرا عن عدد من العناوين التي انتشرت في مصر خلال السنوات الأخيرة من أول "حركة كفاية"، وحتى كل من خرج منها أو انبثق عنها وحاول أن يقلدها في السنوات التالية مثل الحملة الشعبية للتغيير والتجمع الوطني للتحول الديموقراطي، و"شايفنكو" وحركة شباب 6 أبريل. ومن الناحية العملية فإن أنصار هذا الرهان وضعوا كل بيضهم في سلة واحدة لاختبار مدى سلامة ما تواضعوا عليه، وكأنه البديهية الأساسية للسياسة المصرية من خلال الدعوة الى مقاطعة الانتخابات التشريعية والرئاسية المصرية ما لم تتم الاستجابة الكاملة لمطالبهم القائمة على تغيير الكتاب، أي تغيير قواعد اللعبة السياسية بينما المباراة جارية بالفعل.
ومن المدهش أن أيا من المشاركين في الدعوة الى المقاطعة لم يستفد أو بالأحرى لم يتعلم من تراث المقاطعة في مصر قبل ثورة يوليو وبعدها، التي كان حصادها في غالب الأحوال سلبيا، خاصة الانتخابات التشريعية لعام 1990 التي قاطعها حزبا الوفد والعمل وحركة الإخوان، وكانت النتيجة درسا قاسيا وهو العزلة السياسية عن الساحة المصرية لمدة خمس سنوات كاملة انتهت مع انتخابات 1995، حيث لم تتجدد الدعوة مرة أخرى حتى أحياها عدد من الجماعات السياسية مرة أخرى، ومعها حزب الجبهة الديموقراطية، وحزب الكرامة – تحت التأسيس – وحزب الغد – جناح أيمن نور – وهي كما نرى كلها تنتمي الى الهامش السياسي أكثر من وجودها في قلبه.
القلب، كما راهن عليه أصحاب الرهان الثاني، كان يتفاعل مع السياسة بطريقة أخرى تتحقق فيها الاستمرارية التاريخية، والتقاليد الراسخة في السياسة المصرية، والتي لا تسمح بغير الطرق السوية سبيلا للتفاعل السياسي. وربما كان المشهد الفاصل في هذه العملية باهرا عندما قررت الجمعية العمومية لحزب الوفد في 17 ايلول الحالي خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، بعد أن حصدت الموافقة 504 من الأصوات بنسبة 56.7%، في حين عارض 407 من الأصوات المشاركة بنسبة بلغت 43.3%، وذلك من بين 923 شاركوا في الجمعية العمومية.
ومن هنا أصبح طبيعيا أن يشارك في هذه الانتخابات أحزاب المعارضة الرئيسة التي تضم أحزاب الوفد والتجمع والعربي الناصري، بينما خرج حزب الجبهة الديموقراطية الى ساحة العزلة الباردة نتيجة مسايرته لهوامش السياسة المصرية بدلا من قلب مؤسساتها الشرعية. أضف الى ذلك أن أحزابا أخرى كوّنت ما يسمى بتحالف الأحزاب المصرية وهي الجيل والأحرار وشباب مصر ومصر العربي الاشتراكي والخضر والتكافل، للنظر في مدى مشاركتها في الانتخابات. كما شكلت أحزاب ثالثة ما يعرف بكتلة الأحزاب التي ضمت أحزاب الشعب والجمهوري والاتحادي الديموقراطي بعد أن انسلخت عنها أحزاب مصر العربي الاشتراكي والمحافظين والأمة والوفاق نظرا الى شبح الانقسامات الداخلية التي تواجهها.
وهكذا، ما إن اقترب موعد الانتخابات التشريعية بالفعل حتى عادت السياسة المصرية الى مجراها الطبيعي حيث تقوم أحزاب رسمية ذات طبيعة مؤسسية وشرعية بالمشاركة في النظام السياسي بقدر أكبر من الفاعلية وهو ما ظهر من خلال عملية التفاعل السياسي حول ضمانات نزاهة الانتخابات المقبلة التي جرت بين الحزب الوطني الديموقراطي وأحزاب الوفد والتجمع والناصري والجبهة الديموقراطية. ولم يكن ذلك تكرارا لما جرى في السابق عندما تسابقت الأحزاب ومرشحوها على الدخول في الانتخابات رغم كل التحفظات عليها، ولكن للاستفادة من التغيرات الكثيرة التي جرت في المجتمع المصري خلال السنوات الخمس الماضية.
هذه التغيرات بدت أول ما بدت في التغيرات التي جرت داخل حزب الوفد الذي سلم قيادته من زعامة قانونية مشهود لها، الى زعامة أخرى أكثر عملية ونفاذا الى الأسواق ومسلحة بخمس قنوات تلفزيونية وصحيفتين لهما انتشار مرموق هما الوفد والدستور؛ وأكثر من ذلك ونتيجة هذا التغيير ارتفع عدد أعضاء حزب الوفد في مجلس الشعب من خمسة أعضاء الى أربعة عشر عضوا وهو ما يعطي نوعا من الجاذبية السياسية لم تكن متوافرة من قبل. وعندما يحدث ذلك في حزب تاريخي، له قواعد ومقار في كل المحافظات المصرية، ولا يشكو من ضعف التمويل، ونجح خلال قيادته السابقة في الدفع بقيادات شابة الى المقدمة في العمل السياسي، فإننا نصبح أمام تطور مهم في السياسة المصرية سوف تكون له نتائجه المهمة خلال المرحلة المقبلة.
أضف الى ذلك أن حزب الوفد، والأحزاب التي تعرف التقاليد الحزبية الصحيحة، تعرف أن أحد الأهداف الأساسية للأحزاب السياسية هو الوصول الى السلطة من خلال المشاركة في الانتخابات، ولا يتوقع أن يكون الأسلوب الذي تتبعه هو المقاطعة والعزلة في الوقت الذي تطالب دوما بإحداث التغيير السياسي والاقتصادي والتشريعي، لأن القاعدة الأولى في العمل الديموقراطي هي أنه لا يمكن أن تحقق القوى السياسية الراغبة في الإصلاح والداعية الى التغيير ما تريد بينما هي تناضل خارج الساحة السياسية، وفي حال انفصال عنها. كما أن التمثيل في البرلمان يعزز إمكانات تدعيم التطور الديموقراطي بشكل تدريجي. فقوى المعارضة الشرعية يفترض أن تدخل تحت سقف البرلمان وتناضل من داخله، ولعل مقاطعة انتخابات 1990 خير برهان على ذلك.
التغير الثاني هو أن الانتخابات المصرية سوف تجري وسط أوسع تغطية إعلامية تعرفها مصر في تاريخها، وعندما لا يصبح تلفزيون وإذاعة الدولة وحدهما في الساحة الإعلامية، ولا الصحافة القومية بمفردها في ساحة الرأي، فإن المنافسة الموضوعية بين توجهات متعددة تفرض نفسها بطريقة غير مسبوقة، حيث بات من المستحيل ألا يجد صاحب رأي مكانا لعرض أفكاره مهما كانت غرابتها أو اختلافها مع الاتجاه العام. والواقع أن الصحافة والإعلام لم تعد محلية فقط، فهناك 690 محطة تلفزيونية ناطقة باللغة العربية، فضلا عن أخريات آتية من دول أخرى لا تعرف لغة الضاد، ومع هذا وذاك توجد صحف مطبوعة وإلكترونية من كل لون ونوع. ومع كل ذلك يوجد مجتمع مدني محلي وعالمي سوف يفرض نفسه على الساحة المصرية، ويجعل المراقبة الأجنبية للانتخابات واقعة سواء وافقت عليها أحزاب الوطني والوفد والتجمع والناصري أو رفضتها.
تغيير ثالث لا يقل أهمية عن كل ما سبق طرأ على الساحة السياسية المصرية ويقدم عملية التطور الديموقراطي في البلاد، وهو ما جرى على الحزب الوطني الديموقراطي من تغيرات كبيرة خلال الأعوام الماضية، حيث بلغ عدد أعضاء الحزب الوطني قرابة ثلاثة ملايين نسمة، ودخل أكثر من مليون شاب الحزب حتى باتت الشريحة العمرية من 18 الى 40 سنة تمثل 65% من أعضاء الحزب، ومن هم في الشريحة العمرية من 40 الى 60 سنة يمثلون 30%، ومن هم أكبر من 60 سنة نسبتهم 5%، وهو ما يعني أن جيلا من شباب المصريين قد أصبح يمثل الغالبية في الحزب.
أما بالنسبة للخلفية التعليمية والمهنية لأعضائه، فيبلغ عدد الحاصلين على الماجستير والدكتوراه في الحزب 6700 شخص، يمثلون فئات مهنية متعددة، تضم أساتذة جامعات ورجال أعمال وأطباء ومهندسين وصحافيين ومحامين وضباطا متقاعدين وموظفين، قاموا بإعداد دراسات وبحوث وسياسات تخص الكثير من أمور المجتمع والدولة مثل التعليم والصحة والتأمين والمرأة والطفل والعشوائيات والطاقة. كما أنه قد حدثت نقلة في البنية التنظيمية للحزب الوطني، وأبرزها الأخذ بالمجمع الانتخابي الذي يختار مرشحي الوطني في المحافظات، بما يجعل أعضاء الحزب يخوضون انتخابات داخلية شرسة قبل أن يدخلوا معركة البرلمان ويتسم باختياره للعناصر التي يغلب عليها الكفاءة العلمية والسمعة الطيبة والخدمة المتواصلة لأبناء الدائرة ومدى الالتزام الحزبي لديهم.
معنى ذلك أن الحزب الوطني الديموقراطي قد بات جاهزا لمنافسة ديموقراطية شريفة ونزيهة مع الأحزاب الأخرى والمستقلين، رغم أن الحزب جرى عليه ما جرى على الأحزاب التي توجد في السلطة حيث تتأثر شعبيتها نتيجة تحملها للمسؤولية، فبينما حصل الحزب (بقوته الأساسية) على 40% من الأصوات في عام 1995، فإنه حصل على 38% عام 2000 و32% عام 2005؛ قبل عودة مستقليه للانضمام اليه، ولعل ذلك هو ما تدركه تماما أحزاب المعارضة – مثلما يدركه الحزب الوطني – التي عليها، وهي تسعى الى كسب أصوات الناخبين، أن تفكر أيضا في أن هناك المستقلين الذين يجدون السياسة المصرية مجالا لتحقيق الخدمات لمواطنهم الانتخابية، ويوجد لديها نزعة دائمة ضد كل من يهدد استقرار البلاد وسيرها الطبيعي نحو التقدم.
ما جرى عمليا خلال الفترة القصيرة الماضية أمران: الأول هو هزيمة اتجاه المقاطعة، ومعه كل من حاولوا الدفع بالبلاد الى لحظة ثورية لم ترغب فيها أبدا. وببساطة فإن الجسد السياسي المصري أثبت، كما كانت الحال دائما، أنه يرفض وينبذ الهوامش والحواشي وحركات الاحتجاج العديدة التي نشأت لتحقيق مطالب ظرفية ووقتية، بسبب صغر الحجم العددي، وضعف آليات العمل الاحتجاجي الذي يقومون به، وغياب المؤسسية التي تدير الخلافات الداخلية التي سرعان ما تظهر بحثا عن النجومية أو نتيجة الميل الطبيعي للمزايدة السياسية.
والثاني هو بزوغ تحالف مدني واقعي يصحح بعض نتائج ما جرى في الانتخابات التشريعية لعام 2005 عندما بزغت عنها حالة استقطاب حادة بين الحزب الوطني الديموقراطي من ناحية، داعيا وحده تقريبا الى الدولة المدنية، والإخوان من ناحية أخرى داعين صراحة في البرنامج الوحيد الذي قدموه للساحة السياسية الى دولة دينية صريحة. مثل ذلك من استقطاب كان مثيرا للقلق، وربما كان سببا في ظهور الهوامش السياسية التي خدعت بضجيجها حتى شخصية مرموقة ومحنكة مثل الدكتور محمد البرادعي الذي كان ممكنا أن يكون إضافة للتطور الديموقراطي المصري لو أنه كان مستوعبا للكتاب المصري وعلى استعداد للمشاركة في التطور الديموقراطي من خلال القنوات الشرعية.
ولكن قدّر الله وما شاء فعل، ومع نهاية معركة المقاطعة وعودة السياسة المصرية الى قنواتها الطبيعية، فإن المهمة الأساسية خلال المرحلة المقبلة قبل وأثناء الانتخابات التشريعية هي العمل من أجل انتخابات نزيهة ونظيفة من كل شك ومزايدة، وأن يكون الأمر كله منافسة حول تحديد مسار الدولة المصرية خلال المرحلة المقبلة التي قد تمتد حتى الانتخابات الرئاسية. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون!!
(رئيس مجلس إدارة صحيفة "الأهرام" المصرية)
"النهار"




















