الخليج 30/9/2010
يخال معظم ساسة البلدان المتخلفة، وخاصة منها بلداننا العربية، أن تأخرهم يحميهم من الضغط والابتزاز الأمريكي خاصة والرأسمالي عامة . وقد سمعنا عدداً من هؤلاء وهم يحمدون الله ويشكرونه لأن بلدهم ليس متقدماً، وليس منخرطاً في الاقتصاد العالمي أو متداخلاً معه، وإلا لكان تعرض لتأثير الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعالم منذ أعوام . كما سمعنا من زعم أن بلاده لا تقيم علاقات تجارية مع أمريكا، لذلك لن يكون لأية عقوبات تفرضها ضد قادته أو اقتصاده أي تأثير فيه .
قال مسؤولون سودانيون كلاماً كهذا، عندما فرضت إدارتا كلينتون وبوش الابن عقوبات اقتصادية لا مبرر ولا مسوغ لها على الاقتصاد السوداني، أخيراً، بدأ رئيس إيران أحمدي نجاد يقول كلاماً مماثلاً، رغم تحذيرات كبار وزرائه، ومنها تحذير وزير النفط الذي قال إن بلاده قد لا تتمكن من مواصلة استخراجه خلال سنوات قليلة، وتحذير هاشمي رفسنجاني، رئيس الدولة الأسبق رئيس هيئة تشخيص مصلحة النظام، الذي اتهم نجاد بالتسبب في إلحاق الضرر بإيران، عبر أسلوبه في التعامل مع العقوبات الدولية، وتصريح وزير النقل الذي خشي أن يصاب نظام الاتصالات والنقل في إيران بالشلل .
تنطلق المواقف السابقة من تجاهل أو جهل ما في الاقتصاد العالمي من ترابط وتداخل وتشابك، وهي تتجاهل أو تجهل الاتصال الوثيق بين التقنية وفروع الإنتاج المختلفة، وتتجاهل أو تجهل، أخيراً، بنية الاقتصاد العالمي بصورة عامة، والأمريكي بصورة خاصة، وما يفرده الأخير من شبكات واسعة فوق العالم بأسره، تجعله قادراً على الإفادة من اقتصادياته، والتأثير فيها بدرجات تبلغ في بعض المناطق حد تقرير مصيرها . وفي النهاية، تبين لمن أطلقوا تصريحات الطمأنة أن بلدانهم عانت كثيراً من العقوبات، وأن افتقارها إلى علاقات تجارية متطورة مع أمريكا لم يمكنها من تفادي آثار العقوبات، والتعامل مع اقتصاديات كان يبدو في الظاهر أنها أوروبية أو يابانية أو حتى صينية وهندية وبرازيلية .
لماذا تأثرت هذه البلدان رغم ضعف علاقاتها الاقتصادية مع أمريكا؟ لأسباب منها:
* أولاً: تمسك أمريكا بالقسم الأكبر مما يسمى بالاقتصاد الرمزي، اقتصاد المعلومات والتكنولوجيات ورأس المال، الذي يضم قطاعات حديثة تسيطر على الاقتصاد التقليدي وتضبط حركته . بما أن الاقتصاد الرمزي متداخل مع مختلف أنواع الصناعات، ومع خطط وحسابات الدول المتقدمة وعلاقاتها، فإن التضحية بعناصره من أجل مصالح جزئية تكون عادة صعبة أو حتى مستحيلة . وعلى سبيل المثال، فإن أي شركة نفط لا تستطيع الاستغناء عن التكنولوجيات الأمريكية في الاستكشاف والبحث والحفر والاستخراج والشحن والتكرير . . . إلخ، فإن وضعت أمام خيارين: متابعة مصالح جزئية تتمثل في علاقاتها مع هذا البلد النامي أو ذاك، أو فقدان هذه التكنولوجيات، وجدناها تتخلى كلياً أو جزئياً عن علاقاتها معه (كما فعلت الصين وروسيا مع إيران مؤخراً)، تفادياً لما يمكن أن تتعرض له من ضرر في الحالة الثانية . في مثال معبر، قصد تاجر عربي الصين طالباً شراء قطع غيار لمولدات ضخمة من إنتاج شركة “جنرال موتورز” الأمريكية، تعمل بالغاز في بلاده، فاعتذر الصينيون عن تلبية طلبه، وحين حاول إقناعهم بصنع قطع مقلدة صينية، أجابه محاوره الصيني: لا نستطيع، خشية أن تقطع شركة “جنرال موتورز” الكهرباء عن الصين!
* ثانياً: تفرد أمريكا شبكات علاقات ومصالح واسعة تغطي العالم، تجعلها قادرة على التداخل مع أي اقتصاد وطني أو قومي خارجي، ومؤهلة للتأثير فيه، مهما يكن بعيداً عنها وخارجاً عن نطاق سيطرتها . وللعلم، فإن التقدم الاقتصادي الهائل في الصين والهند والبرازيل زاد من انتشار أمريكا الاقتصادي والتقني العالمي ولم يقلصه، وجعل تأثيرها ممكناً عبر آلاف الأذرع والقنوات المبثوثة في كل إقليم ومنطقة وقارة . وعلى سبيل المثال، فإن شركة “إيرباص” الأوروبية لصناعة الطيران تحتوي على مكونات تكنولوجية أمريكية مهمة، مع أنها منافسة لشركة “بوينغ”، كبرى شركات صناعة الطيران فيها . لذلك لا تستطيع الشركة الأوروبية إمداد زبائنها بقطع الغيار للطائرات التي من صنعها، لأن هناك عقداً بينها وبين الصناعات التكنولوجية الأمريكية يلزمها بأخذ موافقة الأخيرة على تصدير أي قطع غيار تتضمن هذه المكونات أو أجزاء منها .
* ثالثاً: تمتلك أمريكا أكبر بيوتات التصنيف والائتمان المالي . وهذه لها سطوة كبيرة بالنسبة لمصداقية الاقتصاديات المختلفة، ويكفي أن تخفض تصنيف بلد مالياً حتى يجد نفسه في مواجهة صعوبات جدية تحول بينه وبين الحصول على قروض أو استثمارات خارجية، وتمنع الدول من التعامل معه . في هذه الحالة، لا يحصل على قروض إن حصل – إلا بشروط شديدة الصعوبة ليس في مصلحته قبولها، كأن تكون قروضاً قصيرة الأجل وبفوائد مرتفعة جداً، ولا توظف فيه أي استثمارات، وتتم مطالبته بتسديد ما عليه من ديون، مع تهديده بقطع تلك العلاقات الاقتصادية، التي تتسم بحساسية خاصة بالنسبة إليه، ويصيبه قطعها بأذى لا يحتمله . . إلخ .
* رابعاً: تمتلك أمريكا اقتصادين عالميين: واحد داخل أراضيها، والآخر خارجها، منتشر في بلدان العالم المختلفة . نحن لا نشتري، على سبيل المثال، سلعاً رياضية أمريكية من إنتاج الولايات المتحدة، بل من إنتاج الصين وإندونيسيا والهند . . إلخ . هذه السلع الأمريكية لا تنتج داخل أمريكا بل خارجها، في بلد أجنبي، حتى إنه لم يبق في أمريكا من الصناعات الرياضية غير مكاتب التصميم، أما المصانع فقد ألغيت تماماً واستعيض عنها بمصانع غير أمريكية تعمل في الخارج، حيث الأيدي العاملة الأرخص والتكنولوجيا الأمريكية، وشركات التخزين والتسويق، وبالتالي الأرباح الأكبر . عندما يرد بلد ما على مقاطعة أمريكا له بمقاطعة البضائع الأمريكية، فإنه غالباً ما يقاطع تلك التي تنتجها أمريكا داخل مجالها السيادي، بينما يتعرض لمنافسة اقتصادها الخارجي . وللعلم، فإن الاقتصاد الأمريكي الخارجي، المتنكر في أردية مختلفة الأسماء والجنسيات، هو الثاني في العالم، إذ تبلغ قيمته نيفاً وأربعة ترليونات دولار، تضاف إلى أربعة عشر ترليوناً هي قيمة الإنتاج الأمريكي الداخلي .
لا تريد هذه الشروح القول: إن أمريكا لا تقاوم أو تواجه، بل تريد تأكيد ضرورة أن تكون المعارك الاقتصادية مع أمريكا مبنية على حسابات واقعية ودقيقة، وإلا كانت “معارك” أيديولوجية تستند إلى جهل بالواقع، يعرض من يخوضونها لإيذاء خاص يضاف إلى أذى العقوبات، يجعل من المحال كسبها أو الصمود فيها، وأدى إلى تعطيل قطاعات البلد الاقتصادية واحداً تلو الآخر، إلى أن يصيبه شلل معطل، لا يدفع ثمنه الحكام وزبانيتهم، بل بسطاء الناس وفقراؤهم! .
تمتلك أمريكا أدوات ضغط هائلة، لكنها متفاوتة التأثير في العالم، هي عديمة الجدوى ضد من عرفوا كيف يصيرون أقوياء، وشديدة الفاعلية ضد الضعفاء، وخاصة منهم أولئك الذين لم يعرفوا كيف يستغلون فائض القوة الهائل الذي يملكونه ليخرجوا من ضعفهم، كما هو حالنا نحن العرب .
والحقيقة أن أمريكا تتردد كثيراً في فرض أية عقوبات مهما تكن جزئية على الأقوياء، وتسارع إلى فرض عقوبات شاملة على الضعفاء، ولنتذكر أن عقوباتها ضد كوبا مستمرة منذ ستة عقود .




















