في حزيران (يونيو) من العام 1981 نفذ سلاح الجو الإسرائيلي عملية قرصنة تمّ خــــلالها تدمير المفاعل النووي العراقي، ومع انتهاء العملية، التي تتــــناقض مع أبسط قواعد القوانين الدولية، تبجح أركان تل أبيـــــب وأعلنوا بشكل رسمي تحمل المسؤولية، بعد ســــنة واحدة فقط، أي في العـــام 1982، قام جيش الاحتلال باجــتياح لبنان، واحتل لأوّل مرّة عاصمة عربيّة، بيروت، وتمكنت الدولة العبرية من فرض شـــروطها، وفي مقدمتها إبعاد الشهيد ياسر عرفات، وقواته إلى تونس.
اليوم، بعد حوالي ثلاثة عقود على القضيتين المذكورتين، اللتين يمكن اعتبارهما من أسوأ الهزائم العربيّة بعد نكسة العام 1967، نلاحظ أنّ إسرائيل، وخلافا للماضي، باتت تتكلم كثيرا وتفعل قليلا: هما حدثان وقعا مؤخرا، حدثان لم تُسلط عليهما الأضواء كما يجب من قبل الإعلام، الأول في الشمال، عندما أدّت مواجهة بــــين الجيـــش الإسرائيلي واللبناني إلى مقتل ضابط من جيش الاحتلال، تل أبيب المعربدة بامتياز والمارقة بتفوق، ردّت على المواجهة مع الجيش اللبناني بصورة مغايرة: فقد توجهت بشكوى رسمية إلى مجلــــس الأمن الدولي ضدّ لبنان، أي أنها لجأت إلى الشرعية الدولية، وهــــي الدولة التي لم تنفذ حتى الآن أكثر من ستين قرارا صادرا عن مجلس الأمن. الحدث الثاني وقع على الجبهة الجنوبية، حيث أطلقت المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة الصواريخ والقذائف باتجاه إسرائيل، سلاح الجو ردّ بقتل العديد من أبناء شعبنا في القطاع، ولكن اللافت، أنّ مندوبة إسرائيل في الأمم المتحدة، البروفيسورة غابريئيلا شاليف، توجهت إلى مجلس الأمن بشكوى ضدّ حماس، زاعمة أنّها أطلقت القنابل الفوسفورية، المحرمّة دوليا.
نسوق هذه المقدمة على وقع الدراسة الأمريكية التي نشرت في الأيام القلـــيلة الماضية، والتي زعم معدّها جيفري وايت رئيس وكالة المخابرات المــــركزية السابق، أنّ المواجهـــة القادمــــة بين إسرائـــــيل وحزب الله ســـــتؤدي إلى تغيـــير المنطــــقة برمتها، ويتــــوقع الباحث أن يقــوم حزب الله بإطلاق حوالي 600 صـــاروخ يومــيا باتجــــاه العمــــق الإسرائيلي، مشـــددا على أنّ هــــذه الصـــواريخ متطــورة للغاية وبإمكانها إصابة أيّ هدف داخل الدولة العبرية، بما في ذلك، المفاعل النووي في ديمونة.
السيناريو، الذي يطرحه وايت في صلب دراسته، مفزع ومذهل ومخيف، ونأمل أن لا تندلع هذه المواجهة، وأن لا تتحول التقديرات إلى حقائق فالمواجهة القادمة، ستكون باعتقادنا المتواضع، آخر حرب في المنطقة، وأول حرب لتدمير الشرق الأوسط كليا، إذا أخذنا بعين الاعتبار أيضا أنّ الطرفين باشرا بالإعداد لها فورا بعد أن وضعت حرب لبنان الثانية أوزارها في أب (أغسطس) من العام 2006.
بناء على ما تقدّم، يُطرح السؤال المفصلي: هل تمكن حزب الله من تحقيق توازن القوى مع الدولة العبرية؟ وتوازن القوى يعني في جوهره الحالة التي تعمل فيها دولة أو مجموعة دول أو حتى تنظيم مسلح على إقامة نوع من التوازن مع الخصم، يفترض فيه أن يحول دون الحرب، لأن التعادل من شأنه أن يبعد إمكان انتصار أحد الفريقين على الآخر، فيجعل صنّاع القرار يفكرّون ملّيا قبل التورّط في حرب تكون الخسارة فيها أكثر من الغنيمة. لا نريد في هذه العجالة إرهاق أنفسنا في تحليل التعريف العلمي لتوازن القوى، الذي ينبثق عنه ميزان الرعب، بل نريد التوقف عند عددٍ من المحطات في محاولة لرصد التحولات الإستراتجية والتكتيكية في العلاقة المتبادلة بين الدولة العبرية وحزب الله:
أولا: في العام 2005، قال قائد اللواء الشمالي في الجيش الإسرائيلي آنذاك، الجنرال أودي أدم، إنّه إذا لم تقم إسرائيل بعملية عسكرية فإنّ حسن نصر الله سيتحول إلى حاكم لبنان الفعلي، ولم تمر سنة، إلا وبدأ العدوان على لبنان، الذي انتهى بعدم انتصار إسرائيل وبعدم خسارة حزب الله.
ثانيا: إسرائيل تُعوّل اليوم على الخلافات الداخلية اللبنانية، لا بل تعمل على إذكائها وتأجيجها، بدعم من أمريكا وأوروبا، لدفع حزب الله باتجاه الحسم العسكري للسيطرة على مقاليد الحكم في بلاد الأرز، وفي حال تحقيق هذا المخطط فإنّ الباب سيكون مفتوحا على مصراعيه، أمام الدولة العبرية وواشنطن ومعسكر الانبطاح العربي لشرعنة ضرب الدولة اللبنانية، التي ستتحول، عمليا، بحسب هذا المنطق المشوه، إلى دولة حزب الله، أو كما تُنعت من قبل الإمبريالية ووكلائها العرب، جريرة لإيران ‘المتطرفة’.
ثالثا: قائد اللواء الشمالي الحالي، الجنرال غادي أيزنكوط، كان قد صرح بأنّ إسرائيل ستلجأ في المواجهة القادمة مع حزب الله، إلى سياسة إحراق الأخضر واليابس، كما فعلت في الضاحية الجنوبية في بيروت خلال العدوان على لبنان، بكلمات أخرى، أيزنكوط رفع سقف التهديدات بشكلٍ كبيرٍ، ولكن في المقابل، يجب أن نأخذ على محمل من الجد تصريحات الأمين العام لحزب الله الذي قال إنّ حرب لبنان الثانية ستكون نزهة بالنسبة لإسرائيل مــــقارنة مع المواجــهة القادمة، مضافا إلى ذلك، علينا توخي الحيطة والحذر من هذه التصريحات، لأنّ الطرفين يخوضان حربا نفسية على جميع الجبهات.
رابعا: نشرت صحيفة ‘هآرتس’ الإسرائيلية (23.09.10) خبرا جاء فيه أنّ أمريكا فتحت قناة دبلوماسية سريّة مع إيران بهدف حل المشاكل العالقة بينهما، وفي مقدمتها المشروع النووي، وبمعزل عن دقة الخبر أو عدمها، نــــقول إنّ ما يُــسمى بالتـــهديد النووي بدأ قبل أكثر من سبع سنوات، وإيران تتقدّم باتجاه القنـــــبلة، وإسرائيل تتـــكلم، وتهــدد بين الفينة والأخرى باللجوء إلى الــــخيار العسكري، وأمريكا ترغي وتزبد وتُعلن أنّها لن تسمح لحليفتها الإستراتيجية القــــيام بـــهذا العمل، ولكن مع ذلك، نعتقد أنّ إسرائيل لا يمكنها أن تتعايش مع سلاحٍ نووي تملكه دولة إسلامية مثل إيران، لأنّه بالنسبة لأركانها وصـــول طهران إلى النووي، يُشكّل تهديدا إستراتيجيا ليس من الناحية العسكرية فقط، بل والأهم من ذلك، أنّه سيدفع بنسبةٍ كبيرةٍ من الإسرائيليين إلى الهرب من ‘أرض الحليب واللبن والعسل’، ويكفينا في هذه العجالة التذكير بأنّه خلال العدوان على لبنان في العام 2006، ولأول مرّة، فرّ أكثر من مليون إسرائيلي من شمال الدولة العبرية باتجاه المركز والجنوب بفعل صواريخ حزب الله ‘البدائية’.
ونُنهي بالتساؤل: في العام 1982 احتلت إسرائيل بيروت بدون مقاومــــة تُذكر من الناحية العسكرية، ولكن في العام 2006 لم يتمكن أقوى جيش في الشرق الأوسط من احتلال قرية عيتــــا الشعب، التي تبعد عن الحدود أقل من ألف مترٍ، وهذه الحــــقيقة كانت باعــترافٍ رسمي من قبل قادة جيش الاحتلال، فمن تغيّر يا ترى: الجيش الإسرائيلي، المقاومة اللبنانية، أم الاثنان معا؟
‘رئيس تحرير صحيفة ‘الحدث’ ـ فلسطين
"القدس العربي"




















