الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود أولمرت الى تركيا لم تخرج عن كونها زيارة بروتوكولية وداعية نظراً الى أن أولمرت لم يحمل معه الرد الاسرائيلي الرسمي على الوثيقة السورية الأخيرة المتعلقة بحدود الانسحاب الاسرائيلي من هضبة الجولان. وعلى الرغم من كل الجهود الأخيرة التي يبذلها أولمرت لتحريك عملية التفاوض مع سوريا ورغم التصريحات الأخيرة للرئيس السوري بشار الأسد حول امكانية الانتقال الى مفاوضات مباشرة، ووصفه المفاوضات غير المباشرة بـ"عملية بناء للأساسات المتينة للبناء الكبير" ويقصد السلام؛ فإن الحصيلة الفعلية والعملية للمفاوضات غير المباشرة بحسب بعض المعلقين الاسرائيليين هي صفر. اذ لم يجرِ التوصل الى خلاصات عملية وملموسة يمكن أن تدفع قدماً بالمفاوضات الاسرائيلية – السورية في عهد رئيس الحكومة المقبل نحو اتفاق أكيد.
ولكن على الرغم من كل التعليقات الاسرائيلية المنتقدة لتحرك أولمرت والتي تتهمه بتقديم تنازلات للسوريين بهدف تسجيل انجازات سياسية تستطيع أن تحسن قليلاً من صورته السياسية، وعلى الرغم من رفض اليمين الاسرائيلي الإلتزام بأي اتفاق او تسوية يجري التوصل اليها مع أولمرت، فثمة واقع لا يمكن اي مسؤول اسرائيلي مقبل الإلتفاف عليه او تجاهله هو ان المفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل وسوريا قدمت صورة مختلفة عن الحكم في سوريا. فلا يمكن النظر الى سوريا بعد مفاوضاتها غير المباشرة مع المسؤولين الإسرائيليين بصفتها فقط دولة متطرفة داعمة للإرهاب ذات ايديولوجيا متشددة شديدة العداء لإسرائيل، وانما بصفتها أيضاً دولة تؤمن بالحوار والتفاوض من أجل حل نزاعها مع اسرائيل، ذات سياسة براغماتية تراعي مصالحها الأمنية القريبة والبعيدة المدى.
من هنا وبغض النظر عن النتائج العملية التي توصلت اليها المفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل وسوريا وعن النقاط الخلافية العالقة بين الطرفين، فالراهن اليوم أن باستطاعة الرئيس الجديد للحكومة الاسرائيلية ان يتسلم ملف المفاوضات التي جرت في عهد أولمرت وأن يمضي به قدماً. بعكس الملف الفلسطيني حيث يبدو أن كل جولات التفاوض التي دارت بين طاقمي المفاوضين الاسرائيلي والفلسطيني خلال العامين الماضيين قد تذهب سدى لأن السلطة الفلسطينية الشريك الأساسي في هذه المساعي باتت ضعيفة و متهاوية وغير قادرة على اتخاذ القرارات الحاسمة في ظل خلافها على زعامة الشعب الفلسطيني مع حركة "حماس".
من بين المتغيرات الأساسية التي طرأت على التفكير السياسي الاسرائيلي في الأعوام الأخيرة لاسيما في ضوء الصعود الكبير في نفوذ وقوة التيارات الراديكالية والأصولية في العالم العربي أن ليس باستطاعة اسرائيل الاعتماد على تحالفها مع الأطراف العربية المعتدلة بسبب ضعف هذه الأنظمة والمشكلات الداخلية التي تواجهها، من هنا لا بد من احداث اختراق ضمن تحالف الأطراف الراديكالية المتشددة في المنطقة الذي تتزعمه ايران. وسوريا في هذا السياق تشكل الفرصة الأفضل.
بالنسبة لإسرائيل ثمة فارق شاسع بين طرف متشدد أصولي راديكالي مثل ايران وحركة "حماس" اللتين ترفضان الاعتراف بوجود اسرائيل او الالتزام بالقرارات الدولية وتدعوان الى القضاء على دولة اسرائيل؛ وبين سوريا التي لا ترفض التحاور مع اسرائيل وتطالب بتطبيق القرارات الدولية وليس بالقضاء على اسرائيل. صحيح أن تجربة التفاوض مع سوريا على مر الأعوام كشفت عن نقاط خلاف جوهرية تتعلق بخط حدود الانسحاب وهي التي أفشلت كل محاولات التوصل الى اتفاق في عهد الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ولكن الزمن تغير والظروف تبدلت وباستطاعة اسرائيل اليوم أن تبحث عن حل عملي لتلك المنطقة الضيقة المختلف عليها على الساحل الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا الذي تدعي اسرائيل ان سوريا استولت عليه عنوة بعد قرار التقسيم وبالتالي لا يمكن أن تتخلى عنه اسرائيل لأنه يشكل جزءاً من "ارضها" على الرغم من ان قرار مجلس الأمن 242 يطالب اسرائيل بالانسحاب الى حدود الرابع من حزيران 1967 أي التنازل عن الشريط المختلف عليه لسوريا.
تزامن تصريحات الرئيس السوري عن امكان الانتقال الى مفاوضات مباشرة مع اسرائيل مع تصريحات حركة "حماس" بانتهاء الهدنة وعودة اعمال العنف دليل آخر على الرهان الاسرائيلي على البراغماتية السورية.
"النهار"




















