تذكّر السوريون هذا الأسبوع أحداث السويداء المؤسفة الدامية، التي وقعت قبل عام، وتسبّبت في أحد أعمق الشروخ التي ضربت النسيج الاجتماعي السوري المنهك أصلاً نتيجة 14 عاماً من الحرب، غير منتبهين بالضرورة إلى أن استمرار هذا الجرح من دون علاج ستكون له، إلى جانب التداعيات السياسية والاجتماعية والأمنية المعروفة، تداعيات كبرى أيضاً على الاقتصاد والتنمية، أخذاً في الاعتبار تحوّلات هائلة أطلقتها حرب إيران في الإقليم والعالم. ومثل كل المواجهات الكبرى عبر التاريخ، لا تعيد حرب إيران رسم مناطق النفوذ وموازين القوى في المنطقة فحسب، بل تعيد أيضاً رسم طرق التجارة والطاقة واتجاهات التمويل والاستثمار، وسورية قد تكون من أكثر الدول التي يمكن أن تتغيّر مكانتها الجيوسياسية نتيجة ذلك، بعد أن أعادت الحرب طرح سؤال ظل معلقاً منذ عقود: كيف يمكن نقل خطوط الطاقة والتجارة عبر شرق المتوسط بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية في مضيقي هرمز وباب المندب وقناة السويس؟ هذا السؤال هو تماماً ما دفع في أربعينيات القرن الفائت وخمسينياته إلى التفكير في إنشاء خط كركوك بانياس لنقل النفط العراقي عبر سورية، وخط التابلاين لنقل النفط السعودي إلى ميناء حيفا، قبل أن يتغيّر اتجاهه إلى صيداً، جنوب لبنان، بعد اغتصاب فلسطين، وقيام دولة إسرائيل.
حتى وقت قريب، كانت معظم مشاريع الربط الإقليمي تتعامل مع سورية منطقة نزاع يجب الالتفاف حولها. ولهذا جاء مشروع الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي (IMEC) المعلن في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، متجاوزاً الأراضي السورية. ما كان، في أحد أبعاده، تعبيراً عن إخراج سورية من معادلات التجارة والطاقة الإقليمية والدولية الجديدة، وحلول إسرائيل مكانها بوابة البحر المتوسط، وسط أجواء تطبيع عربية إسرائيلية تقودها واشنطن، وفق الصيغة “الإبراهيمية”، وتهدف في جوهرها إلى عزل الصين، لكن حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزّة، وهول الجرائم التي ارتكبتها أثناءها، جمّدت هذه الأفكار إلى أن اندلعت حرب إيران التي أظهرت مخاطر الاعتماد المفرط على مضيق هرمز، وأعادت الاعتبار للممرّات البرّية، باعتبارها أكثر أمناً واستدامة على المدى الطويل، خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد. في هذا السياق، بدأت ترد تقارير عن توجهات محتملة، تقودها السعودية، لإعادة النظر في بعض مسارات الممر الهندي، بحيث يمر عبر جنوب سورية، بدلاً من إسرائيل، في تحوّل قد يمنح سورية ربما أكبر فرصة اقتصادية منذ عقود، ولكن هذه الفرصة تصطدم بعقبة أساسية، وهي هشاشة الوضع في الجنوب السوري، لا سيما في محافظة السويداء. وهذا يعني أن السويداء لم تعد مجرّد قضية داخلية تتعلق بطبيعة العلاقة بين المركز وإحدى المحافظات “المتمرّدة”، بل أصبحت جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع، إذ لا يمكن لأي “كوريدور” اقتصادي أن يمر في منطقة مفتوحة على احتمالات الصراع المسلح أو التدخل الخارجي.
من هذه الزاوية، لا يعود الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب سورية، وتدخلاته في أزمة السويداء، ينطلق من اعتبارات أمنية تقليدية، بل من منظور اقتصادي وجيوسياسي أكبر، فكلما بقي الجنوب السوري منطقة غير مستقرّة تقلصت فرص تحوله ممرّاً بديلاً ينافس الموانئ والبنية التحتية الإسرائيلية التي كان يُفترض أن تستفيد من مشروع IMEC في صيغته الأصلية. من هنا، لا تعود معالجة أزمة السويداء مجرّد استحقاق داخلي يتعلق بفرض سلطة الدولة، أو استعادة المحافظة وأبنائها، باعتبارهم جزءاً أصيلاً من سورية، ومحاسبة كل من اعتدى عليهم بغير وجه حق، وهذا مطلوب بشدة، بل تصبح جزءاً من معركة أوسع على ترتيب أوضاع الإقليم؛ تحالفاته واصطفافاته، وموقع سورية في اقتصاده الجديد. وهذا يفرض على حكومة الرئيس أحمد الشرع إعادة النظر في طريقة إدارتها الملف، والذهاب باتجاه تسوية شاملة تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي، وتضمن احتكار الدولة السلاح، مع توفير ضمانات حقيقية للمشاركة، والإدارة المحلية والتنمية الاقتصادية، فالدول لا تؤمّن طرق التجارة بالقوة وحدها، وإنما ببناء شرعية سياسية تجعل الاستقرار مصلحة مشتركة للدولة والمجتمع.
لقد اعتادت سورية، عبر تاريخها، أن تنظر إلى الجغرافيا عبئاً، لكن التحولات التي أطلقتها حرب إيران تفتح احتمالاً مختلفاً؛ أن تتحوّل هذه الجغرافيا نفسها إلى أهم مورد استراتيجي تمتلكه البلاد. غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع الفرص، بل تصنعها السياسة. وإذا لم تنجح دمشق في إغلاق ملف الجنوب، وإعادة دمجه في الدولة سريعاً، فقد تفوت إحدى أهم الفرص المتاحة للمشاركة في ترتيب أوضاع الإقليم لمصلحتها، وللمصلحة العربية أيضاً.
- العربي الجديد
























