لا تستوعب الكثير من التجمعات أو الأحزاب في سوريا؛ حتى اللحظة؛ أن السلطة “اليمينية” بتوصيفهم، هي التي قادت لحظة نهاية السباق نحو الحرية. يستكثرون عليهم ذلك، ولا يستوعبونه؟ بل هناك من ينكر حدوثه! يوزعون سواد العالم كله على السلطة الحالية! من أعطاهم حق التقييم؟ وهل نحن ملزمون بتقييمهم؟
بداية؛ من المهم التفريق بين اليسار العفن الذي وضع بيضه في سلة “الممانعة” والأنظمة القومجية، وهو ذاته وقف ضد كل الثورات العربية من جهة، وشطر من المؤمنين بالفكر اليساري الذين اعتقدوا سنوات طويلة أن ما يؤمنون به من أفكار هو المدخل الوحيد لإحداث فعل التغيير في المجتمعات العربية وكانوا مخلصين لأفكارهم.
وفقاً لعلم النفس فإن الإنكار آلية دفاعية يستعملها الإنسان (الجماعات هاهنا) للحفاظ على توازنه، نتيجة حدوث ما هو خارج تصوراته، ولا بد له من علاج، ويرى “كوبلر روس” أنه الخطوة الأولى في مرحلة التوصيف. أما الخطوة الثانية فهي الغضب، فيما الخطوة الثالثة المساومة، أما الرابعة فهي الاكتئاب، والختام في المرحلة الخامسة: القبول بالسُلطة.
طبعاً، ليس من الضروري كلما رأيت يسارياً أن تطبق عليه هذا الاختبار، فهناك عدد من الأصدقاء اليساريين حرقوا المراحل ووصلوا إلى الخامسة، وهم من يسميهم زملاؤهم اليساريون الآخرون “المكوعون” ويقولون عنهم: ليسوا من “اليسارية الصلبة” بل اليسارية الهشة النفعية، التي تخلت عن قناعاتها لمصلحة اليمين المحافظ!
ثمة يساريون سوريون يقيمون بأميركا (بلد الرأسمالية) لا يزالون بالمرحلة الأولى وقد حلفوا أيماناً مغلظة أنهم سيبقون “منكرين” حتى لو غدت سوريا مثل سنغافورة، بل سَخَّروا وقتهم كله للإساءة إلى السلطة وكل من والاها! كيف لـ “دمشقهم” أن يقودها اليمينيون!
يساريّون مقيمون في باريس “مربط خيلهم” انكفؤوا عن أي مشاركة بالشأن العام، لأنهم لا يصدقون أن كل ما اقتنعوا به عبر نصف قرن خطأ في خطأ؟ لماذا لم يقد اليسار لحظة النصر؟
يساريون آخرون جاؤوا حفاة من أصقاع الأرض، بهدف أن يلحقوا “الثرود” الذي تقدمه كل سلطة لمن يدق بابها، قائلين: لم نكن يوماً من اليساريين نحن تكنوقراط لا غنى للسلطة الجديدة عنا كـ”خبراء”!
الملفت لدى عدد كبير من متابعي طروحات اليسار “الإنكاري”، هو حجم الكراهية والقدرة على الخصومة والعداوة، مما جعل أحد الذين لا يحبونهم يقول: لو وصل هؤلاء إلى السلطة لأسقطوا شعاراتهم، وعشنا معهم حال استبداد لم نره في حياتنا! كيف كشَّر أولئك “التقدميون العلمانيون” عن هذا الكم من الكراهية والإنكار والإساءة للسلطة اليمينية في دمشق؟
ما اليسار وما اليمين فكرياً؟ وهل خلافاتهما في المطالب؟ أم في الفلسفة؟ وهل أبقت حاجات السوق في العالم اليمين واليسار؟ أم حولت البشر إلى زبائن على أبواب الاستهلاك ووسائل التواصل الاجتماعي؟
جذورُ السلطة في سوريا جذور دينية، مما يدخل في باب اليمين المحافظ، غير أن مفاجآت السلطة في دمشق لخصومها وأصدقائها لا تنتهي! اليسار لا يستطيع أن ينظر إلى أفعالها، بل إلى خلفياتها فحسب. الذين لا يحبّون اليسار العربي يقولون: لماذا نحبّه؟ وهو لم يقدم لنا سوى الشعارات ومطبوعات “دار التقدم”!
ويتابعون: تتسم سلطة دمشق الحالية بأنها أبعد ما تكون عن الشعارات، إذ كرستْ وقتها للعمل، وحققت خلال سنة ونصف الكثير عالمياً وتشبيكياً.. قسم منه فوق طموح السوريين. غير أنها تحتاج على المستوى المحلي إلى وقت أطول، لأن الجانب الاقتصادي مرتبط بإعادة الإعمار، فيما الجانب السياسي والحزبي والمشاركة مرتبطة بقوانين، لا بدّ من إقرارها بمجلس الشعب، وفقاً للإعلان الدستوري.
يرى اليساريون أن السلطة في سوريا لا تخوِّنهم، إنما تهمّشهم، وتحتوي من يريد منهم، إنْ كان ثمنه ليس غالياً! ويرى متابعون أن ما دُعِي في مواضع عدة بـ “اليسار العفن” أثبت أنه ماضوي ومتكلس، ولم يستطع تجديد أدوات البحث، وهو رغبوي حالم إقصائي!
المتحمسون لهذا اليسار يرون أنه وحده القادر على توليد مشروع يدافع عن حقوق معظم السوريين الكادحين، ويتبنى قيم العدالة الاجتماعية في وجه مشروع السلطة، الذي يتبنى الرأسمالية! لا يزال هذا اليسار، الذي يصفه البعض بالعفن، يعتقد أنه الأستاذ الذي أصدر دورية بشكل سري، أو كتب قصيدة لمَّح فيها إلى الصراع الطبقي، أو أنه بَطَل مشى مع حبيبته وضمها في زقاق مظلم.
بل إن أحد اليساريين قال: نحن أصحاب الذقون ونحن الأقدم في إطلاقها، وإنْ اختلفت الأسباب والأهداف، لقد سرق اليمينيون منا كل شيء! هل اليسار في العالم مصيبة؟ كحال اليسار السوري والعربي؛ يسأل متابعون؟
في الإجابة يمكن القول: ليس بالضرورة، فاليسار الأوروبي مثلاً، انتقل نحو الديمقراطية الاجتماعية والبيئية ونسي المركزية الماركسية والعفن الشعاراتي والتمركز حول الذات والأستذة، وتبنى قضايا الشارع، وهو يريد تحصين تميزه بالانتخابات، وما يقدمه للناس، والاقتراب من همومهم وليس التعالي عليهم.
الفيلسوف الفرنسي أندريه كونت – سبونفيل ينقل عن والده قوله حين سأله عن الفرق بين اليمين واليسار: “أن تكون يمينياً يعني أنك تريد عظمة فرنسا.. أن تكون يسارياً يعني أنك تريد سعادة الفرنسيين”.
اليسار السوري في أغلبه، لسان حاله هو: المهم أن أحصل على السلطة، ولا أرى متديناً في هذه البلاد! حركة الواقع السوري تقول: البلد يتسع للجميع، ومرحباً بمن يخدمنا وينهض ببلدنا.
- الثورة السورية





















