كيف "قرأ" الاميركيون مذكرات توقيف عدد كبير من الشخصيات السياسية والاعلامية والقضائية والعسكرية والامنية والتي أصدرها القضاء السوري الناظر في الدعوى التي اقامها عليها اللواء جميل السيد المدير العام للأمن العام والمعتقل السابق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ضد كل هذه الشخصيات؟
طبعاً ليس في الامكان الآن اعطاء جواب عن هذا السؤال يتضمن شرحاً تفصيلياً ووافياً لمواقف الادارة الاميركية من هذا التطور القضائي الخطير والمهم بين لبنان وسوريا، الامر الذي يفرض الاكتفاء بالتعليقات المقتضبة التي تصدر بين الحين والآخر عن مسؤولين فيها معنيين سواء بالموضوع اللبناني او بملف المنطقة بكل ازماتها. علماً ان التحذير للرعايا الاميركيين المسافرين الى لبنان وبالطريقة التي جُدِّد فيها اخيراً او التي استحدث فيها يعطي اشارات واضحة وغير مباشرة في الوقت نفسه الى قلق الادارة من الذي يجري في لبنان، بل من الذي يحتمل ان يجري فيه قريباً.
لكن اميركا ليست دولة عالمثالثية اي شمولية في نظامها، لا يمكن استقاء الاخبار عن مواقفها الا من قيادتها او المسؤولين الكبار فيها، وخصوصاً اذا كانوا امنيين. فهي دولة ديموقراطية ومنفتحة، تؤمن بالحوار مع الآخر رغم ان سياساتها في النهاية والمواقف لا تأخذ في الاعتبار الا مصالحها. وبصفتها كذلك فان معرفة نظرتها الى "مذكرات الجلب" السورية لمواطنين لبنانيين، اذا جاز وصفها على هذا النحو، تبقى ممكنة بواسطة قنوات عدة منها الباحثون ومنها المتابعون وعن كثب من واشنطن اعمال المسؤولين في الادارة عن المنطقة وتطوراتها. وقد برهن هؤلاء عشرات المرات بل مئات المرات ان معلوماتهم صحيحة ودقيقة، علما ان توقعاتهم والتحليلات التي تنطلق منها احياناً قد يخطىء بعضها.
ماذا عند هؤلاء المتابعين عن "المذكرات القضائية السورية" وتوابعها وعن خلفياتها ودوافعها واستطراداً عن الاوضاع الحالية في الشرق الاوسط؟
يجيب هؤلاء ان صبر الرئيس السوري بشار الاسد حيال عدم وصول سفير اميركي الى دمشق قد بدأ ينفد، سواء كان المسؤول عن ذلك معارضو الرئيس اوباما في الكونغرس او هو شخصيا. ذلك انه يعرف ان في امكان الاخير تأمين تثبيت السفير الجديد الذي عيّنه في دمشق لو قام بالخطوات اللازمة لذلك، او ارساله من دون تثبيت الكونغرس له كما فعل الرئيس السابق جورج بوش عندما ارسل مندوبه جون بولتون الى الامم المتحدة بعد مماطلة الكونغرس الديموقراطي في حينه في تثبيت تعيينه. ويضيف هؤلاء ان الاسد وصل الى استنتاج يفيد ان المفاوضات بين اسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية ستصل قريباً الى الفشل، رغم انها بدأت "للتو" كما يقال. ويرون ان الاسد قد يكون بات اكثر ميلاً الى توقع خسارة اوباما الانتخابات النصفية للكونغرس التي ستجري في الثاني من الشهر المقبل. ومن شأن ذلك تقليص آمال سوريا في الحصول منه على ما كان يأمل فيه، الأمر الذي يجعله غير متحمس لتقبُّل اليد الممدودة للرئيس الاميركي منذ انتخابه رغم اصراره على عدم رفض تقبّلها في صورة رسمية. وفي اي حال يعتقد المتابعون انفسهم والباحثون ان المحادثات الأخيرة التي جرت بين الرئيسين الايراني والسوري محمود احمدي نجاد وبشار الاسد كانت لها اليد الطولى في اقناع "القضاء المستقل" في سوريا باصدار مذكرات التوقيف. ذلك ان سياسة ايران كانت دائما الحؤول بكل الوسائل دون "شرود" سوريا، واقناعها بل إغراءها بعدم الانفراد عنها بل بعدم التميز عنها. اما سياسة سوريا المتمسكة بالتحالف مع ايران وبالتميز ايضا فقد وجد صانعوها وواضعوها انفسهم خائبين من جراء تطورات السياسة داخل اميركا وقلقين من المستقبل، وتالياً مضطرين الى العمل استعداداً لمواجهة الأسوأ. وفي هذا المجال يفيد المتابعون والباحثون الاميركيون انفسهم ان ايران كانت تملك بدورها تقويماً للاوضاع داخل اميركا ولمواقف ادارتها قريباً من تقويم سوريا. وهذا ما سهّل زيادة لحمة التحالف والتفاهم بين الدولتين اثناء المحادثات السورية – الاميركية الاخيرة على مستوى القمة، سواء التي حصلت في مطار دمشق او بعد ذلك في طهران. واول عناصر التقويم الايراني المشار اليه توقع خسارة كبيرة لاوباما في مجلس النواب من دون اغفال احتمال خسارته ايضا لمجلس الشيوخ. وثانيها ان الحزب الجمهوري الذي بات يقوده حاليا ما يعرف بـ"حزب الشاي" يقف الى جانب اسرائيل وعلى نحو متطرف، وهو مستعد لدعم اي قرار تتخذه يتعلق بـ"حزب الله" اللبناني او بالجمهورية الاسلامية الايرانية. وهذا يعني وبسبب "الاسلاموفوبيا" (الرهاب او الهلع من الاسلام) التي تجتاح الولايات المتحدة، أن هؤلاء الجمهوريين سيدعمون عملاً عسكرياً اسرائيلياً مباشراً ضد ايران و"حزب الله"، وسيمتنعون عن الضغط على اسرائيل للتنازل للفلسطينيين كي يستمروا في المفاوضات معها. ولا شيء يؤكد، بحسب هؤلاءـ، ان سوريا ستبقى في منأى عن الاستهداف، اذا اتخذت مواقف "معادية" في اثناء ضرب ايران او "حزب الله".
انطلاقا من ذلك، يرى المتابعون والباحثون الاميركيون انفسهم، ان "مذكرات الجلب" السورية كانت نوعا من لفت النظر او ربما التهديد لاوباما، ولكن على "الطريقة الأسدية". كما كانت رسالة واضحة لكل من المملكة العربية السعودية ومصر. للأولى كي تنفذ الالتزامات المتعلقة بالرئيس الحريري التي اخذتها على نفسها. وللثانية كي لا تعطي الحريري وفريقه آمالاً زائفة عبر وعده بمساعدات تعرف هي ان الوفاء بها صعب لاعتبارات واقعية. ويرى هؤلاء ايضا ان هدف الاسد من كل ذلك هو ابقاء "القدر تغلي" وابقاء "التحزّر" على المواقف التي سيتخذ من قضايا عدة. لكنه في رأيهم لن يتخذ قرارا يقلب الاوضاع في لبنان كما يخشى كثيرون. مع الإشارة الى ان المتابعين اللبنانيين يفيدون ان التكهن الامني لمواقف الرئيس السوري (عدم قلب الأوضاع) قد لا يكون صحيحا، علما ان قلبها قد يتخذ اشكالا عدة، بعضها سلمي وبعضها عنفي وبعضها "نص نص". وعلما ايضاً ان قرارا بذلك تفرضه تطورات الداخل وتطورات معركة الخلاص من "المحكمة الدولية" والتي تخوضها سوريا بالحدة نفسها التي يخوضها "حزب الله" ومعه ايران
"النهار"




















