الحياة – 25/12/08//
رغم كل الاجواء المتشائمة التي احاطت بالحوار الوطني اللبناني، فان انعقاد جلساته يحقق للبنانيين ثلاثة فوائد مهمة: الاولى، انه يهدئ من حدة الصراعات السياسية التي تخاض على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون والمنابر الجماهيرية والانتخابية الصاخبة.
الثانية، انه يرسل اشارات متفائلة الى الخارج تفيد بان لبنان لا يزال قادرا على ترميم بنيانه. وهذه الرسائل والاشارات مهمة خاصة على الصعيد الاقتصادي اذ تشجع المستثمرين على توظيف اموالهم في لبنان فتساعد اللبنانيين على تجاوز الاختناقات الاقتصادية والاجتماعية فالسياسية المحدقة بهم…
الثالثة، انه يجبر الاطراف السياسية اللبنانية الرئيسية على الافصاح عن مواقفها تجاه القضايا الشائكة التي يعاني منها لبنان. وصدق او لا تصدق، فان هذه العملية تدل احيانا على ان الخلافات ليست كبيرة وان المسافات بين الاطراف السياسية ليست شاسعة كما يصر عليها البعض. جولة الحوار الاخيرة تقدم دليلا معقولا على هذا التقييم. فبينما تصر بعض الاطراف على انها تفترق افتراقا كبيرا عن بعضها البعض في النظرة الى الاستراتيجية الدفاعية المطلوبة للبنان، نجد ان هذه الاطراف تجمع على اهمية وضرورة الاستفادة من التجربة السويسرية في هذا المضمار. بالطبع هناك خلافات هامة على العديد من «التفاصيل» مثل تحديد هوية «العدو»، ولكن الاساس يبقى واحدا الا وهو ضرورة الاستفادة من كافة طاقات الشعب من اجل تعبئته ضد التحديات الخارجية.
هذه الفوائد الثلاث تكفي في حد ذاتها للاستمرار في الحوار الوطني وللعمل على تطويره. والتطوير يعني هنا اختيار اولويات الحوار بدقة. على هذا الصعيد اختار اصحاب القرار اعطاء الاولوية الى قضية الاستراتيجية الدفاعية. ولا ريب انه من الصعب مناقشة صواب هذا القرار في ضوء الاوضاع الامنية الدقيقة والمتقلبة التي يعاني منها لبنان وتعاني منها المنطقة بصورة عامة. فضلا عن ذلك فان الاتفاق على استراتيجية دفاعية هو من بديهيات عمل الدولة، اية دولة.
بيد انه ينبغي الاخذ بعين الاعتبار ان طاولة الحوار هي، في نهاية المطاف، ليست طاولة قرار. فاذا لم يتوصل فيها المتحاورون الى اتفاق على قضايا الحوار، فانهم يستطيعون التمسك بها والعمل على الترويج لها خارج الاطار الحواري. واذا قيض للديموقراطية اللبنانية ان تسترجع عافيتها، واذا تمكن رئيس الجمهورية، بفضل حكمته ومصداقيته ان يرسخ بنيانها، فانه من الممكن ان تتحول قضايا الحوار التي لم يتم الاتفاق عليها الى اسباب للتنافس ولكن ليس للصراعات الدامية بين الاطراف السياسية. هذا عن الحوار واحتمالاته وآفاقه. ولكن اين السلطات اللبنانية من هذا كله؟ واين الحكومة من قضايا الحوار ومعضلاته؟
الحكومة لا تستطيع الانتظار حتى تنتهي نتائج الحوار. انها بحاجة الى اتخاذ قرارات والى تسريع وتيرتها في تدبير شئون الحكم. ان التحديات التي تواجه اصحاب القرار اللبنانيين كثيرة: من الازمة الاقتصادية العالمية، الى مشاريع الحرب والسلم في المنطقة، الى القوى الكبرى والمتوسطة التي تدرك اهمية لبنان في سلم النفوذ الاقليمي، هذا ناهيك عن تحدي منظمات الارهاب التي تبدو وكانها اكتشفت مزايا الديموقراطية اللبنانية فقررت ان تعمل في رحابها. كل ذلك يتطلب اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة يصعب تأجيلها الى ما لا نهاية.
لو كانت الحكومة اللبنانية مكونة من فريق عمل متجانس، ولو كانت الحكومة تعمل وفقا لبيان وزاري عادي من حيث واقعيته ووضوح وتناسق اهدافه وفاعلية وسائله، ولو كان لبنان يعيش ظروفا طبيعية وعادية، لكان من المستطاع ان تمضي الحكومة في عملها بانتظار اتفاق القادة الرئيسيين على طاولة الحوار. بيد ان لبنان يمر بازمة متجددة، والحكومة هي- بل لبثت على الدوام- اشبه ببرلمان مصغر، وبيانها الوزاري كان اقرب على اعلان نوايا منه الى مرشد للعمل. هذه المعطيات حولت مداولات مجلس الوزراء بصدد تشكيل لجنة رسمية للاشراف على الانتخابات النيابية الى ما كان اقرب الى موقعة سياسية ساخنة ووضعت البلد على شفير ازمة عامة. جوهر المشكلة لم يكن استبدال مرشح لعضوية الهيئة بمرشح آخر. جوهرها كان الخلاف على كيفية اتخاذ القرارات، بل ان جوهرها كان حول كيفية ادارة الشأن العام في لبنان: هل يكون عبر الديموقراطية التنافسية ام الديموقراطية التوافقية؟
هذا النوع من الخلاف مرشح لان يطل على مجلس الوزراء مرارا وان يعرض تماسكه-الهش في الاساس- الى التصدع وان يضع البلد على ابواب الازمات المتكررة. الصراع حول تحديد طابع النظام وطريقة الحكم وقواعده سوف يتجدد كلما احتاج مجلس الوزراء الى اتخاذ قرار يمس موازين القوى السياسية في لبنان، ويؤثر على مصالح الاطراف الرئيسية فيه.
من المفروض في هذه الحالات الاحتكام الى الدستور اللبناني. ومن المفروض ان يتضمن الدستور اجابات عن الاسئلة التي تتردد في هذا المجال، واضاءات على الطريق للخروج من الازمات وضوابط تحول دون تكرارها واستفحالها. هذا صحيح ولكن جزئيا. المادة 65 من الدستور اللبناني تحدد كيفية اتخاذ القرارات وتميز بين الاساسي من المواضيع التي تحتاج الى اكثرية الثلثين من الوزراء للموافقة على مشروع قرار، وغير الاساسي منها الذي يحتاج الى اكثرية بسيطة لاتخاذ القرار. ولكن هذه المادة تعتبر ان اجتماع المجلس يكون شرعيا اذا حضرت اكثرية الثلثين من اعضائه، وهذا ما يفسح المجال لاقلية الوزراء التي تتكون من ثلث زائد واحد، لتعطيل شرعية اجتماعاته ومن ثم القرارات الصادرة عنه.
من المفروض ايضا ان نتذكر كلما طرقت بابنا معضلة اتخاذ قرار في قضايا خلافية، ان وراء العديد من هذه الخلافات استفحال العصبية الطائفية، وان الدستور اللبناني حدد في المادة 95 طريقا للحد من من هذه العصبية اذ اوجب تشكيل هيئة وطنية تدرس المسألة الطائفية وتقترح على مجلسي النواب والوزراء طرق التخلص منها. بيد ان المادة 95 هي نفسها بحاجة الى اجلاء حتى يتضح السبيل الى تحقيق هذا الهدف. فهذه المادة توجب على مجلس النواب تشكيل الهيئة برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية رئيسي البرلمان والحكومة، اضافة الى «… شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية».
اذا كان الكثيرون يعولون على هذه الهيئة في رسم خريطة الطريق الى تخليص لبنان من ازماته وتحقيق اصلاحات جذرية فيه، فانه من الطبيعي ان يتحول اختيار اعضائها الى موقعة اخرى تفوق من حيث حدتها وضراوتها، بما لا يقاس، موقعة اختيار الهيئة المشرفة على الانتخابات. واذ يسعى كل فريق من الفرقاء المتصارعين الى ضمان سيطرته على هذه الهيئة عبر ادخال المتعاطفين معه في عضويتها، فان الصراع حول طريقة اتخاذ القرار في هذه القضية، سواء بالتنافس او بالتوافق، سوف يتحول الى ازمة حكم تهدد الائتلاف القائم. تلافيا لهذه الازمات المتوقعة، فانه من المفيد اعطاء مسألة تحديد طابع الحكم في لبنان اولوية في الحوار. التفاهم حول هذه المسألة سوف يسهل على الحكومة الحالية والحكومات القادمة عملها ويوفر على لبنان العديد من الاهتزازات والاضطرابات.
* كاتب لبناني.




















