لم تتأثر البنوك العربية بالأزمة المالية العالمية، فمعظمها يتمتع بالملاءة المالية الكافية، باستثناء بنك الخليج الكويتي، ولم تضطر حكومات دول المنطقة للتدخل في شكل مباشر لإنقاذ أي منها. لكن مع مرور الوقت، ظهرت أزمة سيولة وائتمان في معظم دول المنطقة، راحت تتفاقم يوماً بعد يوم، وأدرك الجميع أننا مرتبطون بما يحدث عالمياً أكثر بكثير مما كنا نتصور.
هناك شبه جمود في سوق الإقراض، فالخوف مما قد يستجد بسبب الأزمة المالية العالمية جعل كل بنك يتمسك بما لديه من سيولة، وأصبحت المصارف أكثر تشدداً في استرداد القروض والأقساط في مواعيدها وأكثر انتقائية وتردداً في منح تسهيلات ائتمانية جديدة لزبائنها وبأسعار أعلى. واصبحت تتجه إلى أصول سائلة وآمنة، لا توفرها سوى سندات الخزانة وشهادات الإيداع التي تصّدرها الحكومات والبنوك المركزية. كما أن تقلص سوق الإقراض بين البنوك بالدولار (إنتربانك) أو ما يسمى بالسيولة الجاهزة (Overnight) والذي كانت توفره البنوك الأجنبية لمصارفنا، ساعد أيضاً في تفاقم أزمة السيولة والائتمان.
ومنذ بداية هذا الصيف أقفلت أسواق رأس المال في دول المنطقة، أي ان أية سندات أو صكوك جديدة لم تصدر ولم تسجل أية إصدارات أسهم أولية. كما أن شح الائتمان المقدم للمتعاملين في البورصات العربية كان أحد الأسباب التي أدت إلى تراجع مؤشراتها منذ بداية هذا العام بمعدلات تراوحت بين 15في المئة لكل من لبنان والأردن، و56في المئة لكل من مصر والسعودية، و65في المئة لدبي.
وابتدأت أسواق العقارات تشهد ضعفاً في الطلب بسبب قلق المستثمرين وارتفاع تكلفة الإقراض وشح الائتمان المقدم لهذا القطاع، واختفاء السوق الثانوية للعقار بخاصة في الدول التي شهدت أسواقها مضاربة ساخنة خلال الأشهر والسنوات السابقة، ما انعكس سلباً على الأسعار، فتراجعت بنسب تراوحت بين عشرة وأربعين في المئة بحسب البلد والمدينة والموقع.
إن عوامل تقلص حجم السيولة وتزايد صعوبات الحصول على التمويل المطلوب، وارتفاع تكلفة هذا التمويل إذا توفر، إضافة إلى الجمود شبه الكامل في أسواق الأسهم الأولية وأسواق السندات والصكوك، يجب أن يدفع الشركات إلى تغيير طريقة تفكيرها الاستراتيجي وتوجهاتها الإدارية. وقد تكون هذه المرحلة أطول مما يتوقعه كُثر منا، وعلى الجميع أن يتكيفوا مع هذا الوضع من الآن فصاعداً. والهم الرئيس للإدارة يجب أن يكون الحفاظ على الشركة وعلى موقعها في السوق.
الخوف اليوم لم يعد على العائد بل على راس المال ذاته. من هنا تأتي أهمية التركيز على تحقيق تدفقات نقدية إيجابية (Positive Cash Flows) وتأمين التمويل المطلوب للشهور الإثني عشر المقبلة في أسرع وقت وبغض النظر عن السعر.
إن الطفرة التي شهدتها دول المنطقة، أوجدت شركات ومؤسسات متشابهة وربما منسوخة عن بعضها البعض، تعمل في قطاعات مضخمة. ففي الكويت مثلاً 95 شركة استثمار تمثل نحو نصف الشركات المدرجة في البورصة. وهناك الكثير من شركات الوساطة (Brokerage) وشركات الخدمات المالية في معظم دول المنطقة، واخرى للتطوير والتمويل العقاري، وأصبح دمج الشركات المتشابهة، السبيل الوحيد للبقاء ولخلق كيانات قوية تستطيع أن ترفع كفاءة التشغيل (Efficiency)، وقادرة على المنافسة في السوق ومواجهه أزمة المال.
ويرجح أن تبادر الشركات الخاصة الراغبة في التحول إلى شركات مساهمة عامة، واضطرت إلى تأجيل خططها لإصدار أسهم أولية نتيجة للظروف الراهنة، إلى السعي وراء خيار تملّك شركات عامة مدرجة في بورصات دول المنطقة، بخاصة تلك التي تواجه صعوبات مالية وتمويلية، ما يوفر على الشركات الخاصة خطوات كثيرة لتصبح مساهمة عامة مدرجة في أسواق المال.
أصبح واضحاً لكثير من البنوك وشركات الاستثمار والمؤسسات المالية والإنتاجية الأخرى، أهمية إنشاء دوائر متخصصة في الرقابة على الأخطار. فالبنوك العالمية التي تأثرت أقل من غيرها بالأزمة الحالية، تميزت بوجود دوائر متخصصة لإدارة الأخطار تشمل الائتمان (Credit Risk) واخطار السوق التي تشمل أسعار عملات فائدة وأسعار سلع ونفط وغيرها (Market Risk)، واخطار تعامل مع بنوك ومؤسسات أخرى (Counterparty Risk) واخرى تؤثر على سمعة الشركة (Reputational Risk)، وغيرها.
* الرئيس التنفيذي لـ«دويتشه بنك» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
"الحياة"




















