الحياة – 27/12/08//
رحل الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بينتر قبل أيام من انتهاء العام 2008 وكأنه شاء أن يُدرج اسمه في قائمة الراحلين الكبار خلال هذا العام، وفي مقدمهم الشاعر محمود درويش الذي كان رثاه الشهر الفائت بقصيدة عنوانها «موت» ألقيت في احتفال أقيم في لندن. رحل هارولد بنتر ليلة عيد الميلاد ولم يذع خبر رحيله للفور، ولم تتمكّن الصحف البريطانية والعالمية من إبراز هذا الخبر الأليم، والكتابة عن المسرحي الرائد الذي شغل المسرح في العالم مثلما شغل الأوساط السياسية عبر مواقفه الصدامية وأقواله الجريئة جداً.
رحل صاحب «الحارس» عن 78 عاماً أمضى سبعة وخمسين منها كاتباً ومناضلاً طليعياً «يضرم» الحرائق ويثير السجال تلو السجال. وعندما فاز بجائزة نوبل العام 2005 أعلن أنه سيتوقف عن الكتابة، لا سيما بعدما ألمّ به مرض السرطان، لكنه ظل حاضراً بشدة من خلال مواقفه الرافضة وإطلالاته الفريدة. وقد تكون قصيدة «موت» التي رثى بها محمود درويش، خارجاً عن صمته، من آخر ما كتب وبدا فيها كأنه يتحدّث عن موته هو، عن موت «الجسد المهجور» الذي كان جسده وقد أضناه العلاج الكيماوي الذي وصفه بـ «الكابوس الشخصي» والذي جعله «يعبر وادي ظلال الموت». إلا أن بينتر لم يخش المرض يوماً ولا الموت، وقد أطل مرات متكئاً على عصاه. وقبل سنتين فاجأ الجمهور البريطاني وصعد على الخشبة محتفياً بالذكرى المئوية لولادة صديقه صموئيل بيكيت وقدّم، كممثل، مسرحية «الشريط الأخير لكراب» المونودرامية بصوته المتهدّج. وكانت الإطلالة تلك هي الأخيرة له كممثل يؤدي نصاً كتبه سواه أو بالأحرى كتبه صديقه مؤسس مسرح «العبث» في العالم.
إلا أن بنتر الذي انطلق مسرحياً العام 1957 عبر مسرحيته الأولى «الحجرة» لن يلبث أن يصبح رائداً مسرحياً، وقد أسس ما يُسمى «مسرح الحجرة» دامجاً بين النزعتين، العبثية والوجودية. وراح منذ ذاك الحين يكتب من دون توقّف، لا سيما النصوص المسرحية ذات الفصل الواحد التي تميّز بها. لكنه طبعاً كتب نصوصاً طويلة ذات فصول وشخصيات متعددة.
وإن كان بينتر كتب أعمالاً مسرحية كثيرة محصورة داخل الجدران الأربعة أي داخل «الحجرة»، فهذه الحجرة كما تبدّت لديه لم تكن سجناً ولا حيّزاً هامشياً، بل هي ترمز الى المكان الآمن ضد أخطار العالم، أو ضد المجهول. لكنه مكان آمن جزئياً والحماية التي يوفّرها «موقتة» وليست دائمة، فالقدر قد يخلع الأبواب ويدمّر «الحجرة». وهذا ما حصل في بعض مسرحياته، خصوصاً «الحارس» التي كان يحلو له أن يصفها بـ «ثلاثة رجال في حجرة».
كتب بينتر نصوصاً كثيرة جاوزت الثلاثين وقد غزت مسارح العالم وترجمت الى لغات شتى وبات «أبطاله» معروفين بأسمائهم كما بملامحهم. وقد عرف المسرح العربي أعماله عن كثب وأقبل المخرجون عليها جيلاً تلو آخر، وتُرجم الكثير منها الى العربية مثل «الحارس» و «الحجرة» و «النادل الغبي» و «حفلة عيد الميلاد» و «الأرض الحرام»… ونادراً ما يخلو مهرجان للمسرح العربي من عمل له، ما يدلّ على الطابع الراهن الذي تتسم به نصوصه وهي تخاطب الإنسان المضطهد والمستلَب والمنبوذ، الذي يقف دوماً على شفير هاوية. ولم يتوانَ بينتر عن كتابة الشعر والسيناريوات والمقالات، لكنه لم يستطع أن يحلّق في الشعر مثلما حلّق في المسرح، ميدانه الأول والأخير. وبدت قصائد كثيرة له أشبه بـ «الهجائيات» التي يسخر بها من أعداء الحياة وأعداء الإنسانية.
«ابن الخياط اليهودي» كما كان يُسمى، ورث السخرية اللاذعة عن «جيل الغضب» الذي انتمى إليه مطلع السبعينات من القرن الماضي، ولم يوفّر أحداً من نقده النابي في أحيان كثيرة. في الثمانينات انتقد بشدة الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر واحتج على تدخل الأمم المتحدة في حرب كوسوفو عام 1999، وناهض الاجتياح الأميركي لأفغانستان عام 2001، واعترض على الحرب ضد العراق… ولم يتوان عن وصف طوني بلير بـ «الأحمق المتوهم» وجورج بوش بـ «مجرم حرب».




















