حين حصل تفجيرا دمشق في السابع من تموز الجاري، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون؛ استبعد كثير من المحللين والمراقبين وقوف تنظيم الدولة (داعش) وراء العملية بحجة رئيسية هي أن طريقة تنفيذهما كانت غير متقنة بما يكفي وأن آثارهما كانت محدودة نسبياً. مما ينفي، بحسب هؤلاء المتابعين، «بصمة داعش». والتي يبدو أنها تعني، في رأيهم، عمليات محكمة مزلزلة تليق بسمعة التنظيم الأكثر خطراً في عالم الإرهاب مؤخراً.
والحقيقة أن «الدولة» يجب أن تظل ممتنة في هذا، وفي سواه، لأمير ديوان إعلامها المركزي أبي محمد الفرقان، الذي ما يزال ينثر الرعب بعد مقتله بأكثر من عشر سنوات.
وائل الطائي طبيب أطفال من بغداد. وجد طريقه إلى السلفية باكراً من حياته ومن تاريخ العراق. كان من مؤسسي جماعة «أنصار الإسلام» في طبعتها الجديدة هناك، قبل أن يخرج منها، برفقة آخرين أشهرهم أبو علي الأنباري (عبد الرحمن القادولي)، إلى بيعة أبي مصعب الزرقاوي أمير فرع تنظيم «القاعدة» في بلاد الرافدين حيث استلم الطائي ملف الإعلام الذي كان يرى أن أهم واجباته هي «إظهار الغلظة والشدة من المسلمين على الصليبيين، لإعادة الثقة والعزة لدى أهل الإيمان بعد قرون من الذل والخضوع، ولزرع الرعب من المجاهدين في قلوب المشركين». وهو النهج الذي سيحافظ عليه بعد تأسيس «دولة العراق الإسلامية» وتوليه وزارة الإعلام في حكومتها الثانية، ثم مع التمدد إلى سوريا حيث لعب دوراً مركزياً، مع الأنباري، في تمكين قيام «الدولة الإسلامية في العراق والشام» الشهيرة بداعش، أو كان وراء بعض أبرز سلاسلها المعروفة مثل «صليل الصوارم» وسواها، وخلف استقطاب أعداد من «المهاجرين» المحترفين الذين بنى بهم جهازاً إعلامياً متعدد اللغات وشديد النشاط، يتفنن في إظهار الوحشية السايكوباتية، بدعوى اتباع خطى النبي عليه الصلاة والسلام الذي قال: «نُصِرتُ بالرعب مسيرة شهر». حتى قُتل أبو محمد الفرقان، في أيلول من عام 2015، بغارة جوية غربية في مدينة الرقة، وتابع فريقه نهجه بعده.
والحق أن هذه الإصدارات فعلت فعلها في خلع قلوب وهزّ عزائم من قاتلوا داعش من الجيش الحر والفصائل الإسلامية. أما في مسار الإعلام المطبوع فقد أحدث العدد الأول من مجلة «دابق»، الصادر بالتزامن مع انتصارات التنظيم العسكرية المباغتة في صيف العام 2014؛ هزة مماثلة في أوساط الإعلام الثوري الذي رأى مجلة تتفوق على منجزه. لكن مياهاً كثيرة جرت منذ تلك السنوات القديمة.
من جهة أولى فقدت داعش، كلياً في ما يبدو، الجيل الأول من مؤسسيها المخضرمين، لا سيما في المجالين الأمني والعسكري، ممن كانوا ضباطاً في الجيش العراقي في عهد صدام حسين قبل أن يتزاوجوا مع السلفية الجهادية فينتجوا هذه الطفرة الانفجارية.
ومن جهة ثانية انحسرت عن التنظيم جاذبيته التي أغرت عشرات الألوف من أنحاء العالم بالهجرة إليه لإقامة «الدولة الإسلامية». فحتى قبل انهيار سلطته في سوريا والعراق كانت اليوتوبيا، التي صنعها إعلامه بحرفية، قد أخذت تتكشف عن مظالم وفوضى وخلافات داخلية دموية مريعة أحبطت كثيراً من نفوس من صدّقوا الطهرانية المزعومة.
وقد أدت قطيعة داعش مع تيار السلفية الجهادية كما هو معروف في محاضنه الكلاسيكية، وتكفيرها تنظيم «القاعدة» وقتاله حيث أتيح ذلك، إلى تثبيت صفة «الغلو» عليه ووسم «الخوارج» على مبايعيه. مما حرمه من أجواء داعمة منحته سابقاً، على غفلة، زخماً من المتطوعين والممولين والمنافحين.
كما أن المفاجأة التي أحدثها ظهور داعش، والحيرة نتيجة ذلك، طُوِّقتا بعد التقاط أجهزة المخابرات العالمية أنفاسها وملاحقة طريق المسافرين ومراقبة شبكات التمويل، فضلاً عن الأعمال العسكرية والأمنية للتحالف الدولي.
وبدلاً عن الدم الحار المتحمس، قبل قرابة عقد من الزمن، صار التنظيم يتكون، في الشرق الأوسط، من منتسبين قدامى متخفين لا يملكون مؤهلات كافية، وآخرين جدد ببوصلة مشوشة وبلا خبرات عسكرية أو ركيزة أيديولوجية صلبة.
يختلف الباحثون في تقييم حجم وإمكانات داعش في سوريا. فمن جهة هناك من يهولون في تقديرهم لعدد عناصره وقدراتهم اللوجستية وانتشارهم. وكلما تراجعت أعداد عمليات داعش قال هؤلاء إن التنظيم يعيد ترتيب صفوفه ويزرع خلاياه تمهيداً لاستعادة مناطق سيطرته القديمة في البلاد وربما التمدد إلى ما سواها.
لكن المجموعات التي يتم القبض عليها منه، سواء على يد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في الماضي القريب أو سلطة دمشق حالياً؛ تدل على مجرد فلول من أشخاص متواضعي التعليم، قليلي الخبرة، ضعيفي الإمكانات، لا يحوزون كميات كبيرة أو نوعيات مميزة من الأسلحة والذخائر وتجهيزات التفخيخ، ولا من المال، يتخذون لمجموعاتهم مقارّ في الأطراف الفقيرة للمدن وفي الأرياف. ما ينسجم مع المؤشرات الأولى عن عمليتي التفجير المشار إليهما أعلاه، حتى قبل أن يعلن الإعلام الحكومي القبض على المنفذين ويتحدث عن ارتباطهم بداعش.
في النتيجة على الباحثين في شأن التنظيم تحديث تصورهم عنه بناء على المعطيات الواقعية التي يمكن تحصيلها، والتي تشير إلى أنه في حالة تراجع مستمر في المنطقة، وإلى أن طاقاته تُستنزَف بشكل متزايد من دون تعويض كاف.
علينا ألا نقع في خدعة الصورة التي حاول التنظيم إشاعتها عن نفسه لجهة القوة والإتقان. فهي لم تكن دقيقة حينها ناهيك عن أن تكون صحيحة اليوم.
- تلفزيون سوريا
























