يتقدّم الرئيس الأميركي بحذر مع عودة العمليات العسكرية ضدّ إيران، ربّما وفق رؤية “الإضعاف التدريجي”، أو وفق سياسة إبقاء الضغط ريثما يتخطّى انتخابات الكونغرس النصفية من دون أن يدفع ثمناً سياسياً في الداخل الأميركي. عندها قد يتحرّر من حذره وينفّذ خطوات أكثر جرأةً، تؤدّي إلى عزل النظام الإيراني وتحرير مضيق هرمز، أو التقدّم نحو إسقاط النظام في إيران برمّته، وهو أمر ممكن، لكنّه لا يبدو قابلاً للتصديق.
هذه الصورة متداولة على الأغلب، ولكن أيّاً تكن النتيجة، فستترك آثاراً سيئةً في الداخل العراقي على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية. وحتّى الآن، ينبئ المسار الذي تتخذه الحكومة العراقية والقوى السياسية الفاعلة خلفها بمحاولات للقفز من المركب الغارق.
تسعى حكومة علي الزيدي، بتوجيهات توم برّاك ونصائحه على الأرجح، إلى صوغ خطابها على منوال اللغة التي يتحدّث بها الرئيس الأميركي وفريقه الاستشاري. ولا أقصد لغة الصفقات والأموال والاستثمارات فحسب، وإنّما أيضاً رؤيته السياسية والأمنية والاقتصادية الأوسع للعراق ودوره في المنطقة في المرحلة المقبلة، في عالم يخلو من النفوذ الإيراني. لا تمثّل هذه الرؤية انقلاباً جذرياً على الترتيبات الحاكمة في عراق ما بعد 2003، التي أسهم الأميركيون في تأسيسها، وإنّما تعديلاً للمسار، أو دفعاً للتناقضات التي حكمت المشهد العراقي إلى النقطة الحرجة التي عملت الطبقة السياسية عقدَين لتفاديها. وأقصد قابلية النظام الريعي لإنتاج سلطة فردية واسعة النفوذ، تعيد ترويض العملية الديمقراطية لمصلحتها. وقد حصل هذا جزئياً مع نوري المالكي، قبل أن يتدخّل الأميركيون لتحجيم دوره. المثير أن هذه المقاربة تكاد تستنسخ المقاربة الأميركية لسورية ما بعد الأسد. ولعلّ توم برّاك أسهم في تكوينها، أو أنّه المسؤول عن تنفيذها في الحالتَين.
كانت إدارة جورج بوش (الابن)، عشية الغزو في إبريل/ نيسان 2003، تعرف أنّ الحكم في عراق ما بعد صدّام سيمنح الأغلبية الشيعية نفوذاً سياسياً واسعاً. وربّما ظنّت أنّ التيّارات الشيعية المتنوّعة آنذاك قادرة على إدارة نظام ديمقراطي حقيقي، يمنحها الأفضلية في شغل المراكز العليا، ويضمن العدالة بين مكوّنات المجتمع العراقي. ولعلّها لم تتوقّع حجم التخريب الذي ستُحدثه إيران في البيئة الشيعية، بربط مصير الشيعة بها، لا بالنظام الديمقراطي، وبالسرديات الطائفية الجهادية، لا بسردية حقوق الإنسان والمواطنة. لا تريد إدارة ترامب سلب الأكثرية الشيعية صوتها السياسي، وإنّما تعديل اتجاه البوصلة بعيداً عن إيران.
تركّز المقاربة السورية والعراقية، مع زعيمين شابّين يميلان إلى المحافظة والتخلّي عن المسار الثوري، على دعم مركز سياسي قوي منبثق من البيئة الاجتماعية للأكثرية السكّانية، وقادر على احتكار القرار الأمني وعقد الصفقات الاقتصادية، من دون اشتراط ممارسة ديمقراطية كاملة في العراق أو سريعة في سورية. ثمّ تأتي النقلة الأكثر إثارة: ربط النظامَين بصفقات اقتصادية كبيرة تخفّف الحدّة الطائفية، وتمهّد لتبريد المنطقة، وتعيد فتح مستودع هائل من التداخل التاريخي والثقافي بين بلدَين شكّلا حضارات الهلال الخصيب، والخلافتَين الأموية والعباسية، وتاريخاً من العلاقات المتشابكة منذ فجر التاريخ.
لا يزال هناك كثير ممّا ينبغي فعله لكي تنتقل سورية إلى مستوى الدولة الطبيعية. وفي العراق، تبرز معضلة المليشيات؛ إذ يبدو أنّ معظم القوى السياسية الشيعية لا تريد من الحكومة معالجة هذا الملفّ بالعنف، لأسباب عدّة، منها رفض إضعاف القوّة الشيعية. وقد تعلّم الجميع من “البروفة” التي شهدتها المنطقة الخضراء في 29 و30 أغسطس/ آب 2022، حين واجه الصدريون فصائل من الحشد الشعبي، ودُفعت البلاد إلى حافّة الحرب الأهلية.
التفاصيل متباينة بين المشهدَين السوري والعراقي، لكنّ “المطلوب” أميركياً يكاد يكون واحداً. فإشارة الرئيس الأميركي، في لقائه رئيس الوزراء العراقي في البيت الأبيض، إلى أنّه سيستمرّ في الحكم طويلاً، تنطلق من الثقة بقدرة النظام الريعي، مع تحسين الخدمات وتنشيط الاقتصاد، على إقناع الناخبين بتجديد الثقة، طوعاً، برئيس الوزراء الحالي لدورتَين أو ثلاث مقبلة.
- العربي الجديد
























