– طرابلس
لعل فحوى اللاهوت العربي كمصطلح جديد يطرحه يوسف زيدان(•) على القارئ هو أن الديانة المسيحية لم تعرف “اللاهوت” إلاّ من خلال المحاورات التي أرادت أن تنتقل بالفكر الديني، من الاشتغال بحقيقة وطبيعة المسيح والتي سماها “الكريستولوجيا” إلى الانشغال بالذات الإلهية وصفاتها، وما يتعلق بها من موضوعات وعلاقات بين الله والعالم والتي عرفها بـ”الثيولوجيا”.
ويرى زيدان أن المحاولات الكنسية اللاهوتية، كما المذاهب الدينية المتصلة بها، إنما ظهرت في بلاد الشام وبلاد العراق. وبرأيه أنه في هذه البلاد بالذات، كانت تسود الثقافة العربية، قبل ظهور الاسلام بكثير، وقبل المسيحية بقرون عديدة. وقد أنتجت هذه الثقافة العربية في تلك المنطقة الجغرافية صياغة “الأرثوذكسية” ذاتها، تماماً كما أدت إلى ظهور صيغ متعددة وربما مختلفة لقانون الإيمان، وذلك تحت تأثير الاجتهادات المتنوعة والعديدة، والتي ظهرت على أرض الثقافة العربية في الشام والعراق.
إن الاجتهادات اللاهوتية المسيحية، كما يقول زيدان، والتي كان قد توالى ظهورها لقرون وقرون في تلك البلاد العربية، إنما كانت تسعى إلى إرساء لاهوت مسيحي عميق، غير أنها لم تنجح في مسعاها هذا إلا بعد ظهور الإسلام منتصراً لتلك الرؤى التنـزيهية، والتي كانت تسمى آنذاك أرثوذكسياً، بالهرطقة النسطورية، والهرطقة الآريوسية.
والنسطورية كما هو معروف، إنما هي نسبة كعقيدة دينية مسيحية، إلى الأسقف نسطور “المرعشلي” وهو من مرعش بالقرب من انطاكية على ساحل بلاد الشام، أما الأريوسية، فقد نسبت هي أيضاً كعقيدة دينية مسيحية أخرى، إلى القس آريوس الليبـي المعروف لدى المؤرخين المسلمين بـ”عبد الله بن أريس” وكان قد عاش في بلاد الشام، حيث تعرف إلى الفكر الكنسي الذي كان سائداً هناك، قبل أن يشتهر ويصبح له أتباع حملوا عنه آراءه الجديدة في الأمور الكنسية والمسيحية.
ويرى يوسف زيدان أن هذه الاجتهادات العربية المسيحية، سعت كما نستدل من خلال مسيرتها التي قطعتها على أرض الشام والعراق، إلى تأسيس لاهوت مسيحي واجهت به الكريستولوجيا الأرثوذكسية وخصوصاً هيمنة المؤسسة الكنسية. وقد شكلت بلاد الشام والعراق بعد ذلك، بالإضافة إلى تلك العقائد المسيحية المجددة، البيئة الحاضنة لما عرف في ما بعد بعلم الكلام الذي أخذ في الظهور والانتشار هناك، وذلك بعيد ظهور الاسلام بقرن من الزمان.
لم يذهب يوسف زيدان في بحثه عن اللاهوت العربي في تراث العرب، من أجل الاستغراق في المباحث الدينية، سواء اللاهوتية منها، أو تلك التي تدخل تحت عنوان علم الكلام، باعتبارها أنساقاً نظرية وسجالات، كانت تهيم في عالم الأفكار المجردة وحسب، بل كانت غايته من وراء مباحثه المهمة التي قدمها، فهم أواصر الاتصال القوي بين كل من الدين والسياسة من جهة، وفهم أسباب العنف الديني الذي لم يخلُ منه التاريخ الطويل لليهودية والمسيحية والإسلام. ولهذا نراه يسعى لإدراك الروابط الخفية بين المراحل التاريخية المسماة بالتاريخ اليهودي والتاريخ المسيحي والتاريخ الإسلامي، باعتبارها كانت تشكل على أرض الجغرافية الواحدة تاريخاً واحداً، تحكمت فيه آليات واحدة، لا بد من إدراك طبيعة عملها، إن في الماضي أو في الحاضر. بل لا يمكن فهم طبيعة عملها في الحاضر العربي الإسلامي اليوم، من دون النظر العميق في طبيعة عملها خلال ماضيها الطويل المشترك بين اليهود والمسيحيين والمسلمين.
وسبب ظهور علم الكلام عند يوسف زيدان، لا يعود استجابة لعناصر داخلية أو خارجية، كما توهم بعضهم من عرب ومستشرقين، وإنما كان تسمية جديدة للاهوت العربي الذي التمسته المسيحية في بلاد العراق وبلاد الشام قبل ظهور الإسلام. فهؤلاء بحسب زيدان لم يلحظوا أهمية الجغرافيا في الأمر أي الامتداد “المكاني” للاهوت العربي في علم الكلام، بمنطقة الشام والعراق. ولم يراعوا أيضاً أن أولئك الذين ظهر فيهم “الكلام”، كانوا هم أنفسهم المتكلمون قبل الإسلام، في حديث اللاهوت.
وبرأي زيدان أيضاً أن دارسي الكلام والعقائد الإسلامية، لم يفطنوا إلى دلالة المسألة الكلامية الأولى قبل المسيحية وقبل الإسلام، وهي مسألة الصفات الإلهية، والتي سرعان ما أصبحت أولى القضايا الكلامية وأسبقها ظهوراً في الإسلام. وقد رأى أن مسألة الصفات الإلهية كانت تشغل الأذهان بقوة قبل وصول المسلمين، فاتحين لبلاد الشام والعراق.
إن كثيراً من النظريات والمذاهب الكلامية بحسب الباحث، تشتمل على حلول عقائدية وتصورات إسلامية لمشكلة الصفات الإلهية، والتي سبق أن آباء الكلام عرفوا بها. ومنهم الصفاتية والمعطلة والنفاة، وهي تسميات تتصل على نحو مباشر بصفات الله: إثباتها أو إنكارها. وقد نشأت أصلاً بحسب زيدان مع اليهودية ونصوصها التوراتية، ثم نرى المسيحية تجتهد في حلها في ما بعد. ولما اعترف الإسلام بالديانتين السابقتين، ورث العرب المسلمون من العرب المسيحيين واليهود، جوانب هذه المشكلة وتداعياتها وتفاصيلها الجمة.
والإشكالية التي واجهت الباحثين، هي أن إسلامية علم الكلام، حجبت عربيته الأولى وأخفت بداياته، أو خففتها لمصلحة أطواره التالية في اليهودية والمسيحية، ومما ساهم في تمويه حقيقة مهمة للغاية، وهي أن علم الكلام لم ينشأ أصلاً في الإسلام، حتى يجوز أن نبحث في أسباب ظهوره ودواعي نشأته. فقد كان ممتداً من قبل في الفترات السابقة على الإسلام، ومدوناً باليونانية والسريانية، ولم يلبث أن صار فيما بعد مكتوباً بالعربية.
ويتحدث زيدان عن مسألة التاثر والتأثير بين اللاهوت العربي من جهة واللاهوت اليهودي والمسيحي من جهة أخرى. وهو يرى احتجاب فكرة الامتداد التراثي بين اللاهوت العربي السابق على الإسلام، وعلم الكلام. وقد عزاها لأسباب عديدة، منها نظرية التأثر والتأثير هذه التي شوشت على الحقيقة التاريخية للأصل العربي للاهوت، وعلى وضوح الامتداد التراثي في الأذهان. ثم جاء في ما بعد عدد من الأساتذة ليؤكدوا إسلامية علم الكلام، في حين أن بعضهم تحدث عن تأثره باللاهوت المسيحي.
وفي المقابل ففي اتصال علم الكلام عند المسلمين بعلم اللاهوت عند المسيحيين وبرز إصرار عنيد عند الفريق الآخر لنفي الأصالة عن المسلمين. فإذا وردت فكرة أو نظرية ما، عند أحد علماء الإسلام، سارعوا بالبحث عن أصلها أو مثيلها اليوناني أو الشرقي أو اليهودي أو المسيحي، وذلك من أجل إثبات وتأكيد أن المسلمين لم يكونوا يوماً مبدعين. فيسارع الفريق الإسلامي بالرد وبيان الاختلاف وتأكيد عبقرية المسلمين الخلاقة. وقد ذهب المستشرق الإسباني الشهير آسين لربط آراء ورؤى شيخ الصوفية محيي الدين بن عربي (ت: 638 هـ) بأصول لها قال إنها موجودة في التراث المسيحي، لنفي الأصالة عن الصوفية، تحت وطأة نظرية التاثر والتأثير.
وعن صلة الدين بالسياسة، يرى زيدان أن الفصل بين السياسة والدين سيبقى دوماً مثلما كان من قبل، محض توهم تبدده حقائق التاريخ العقائدي للديانات الإبرهيمية الثلاث، تلك التي امتزج فيها الدين بالسياسة امتزاجاً شديداً يصعب معه في كثير من الأحيان، تمييز ما هو سياسي، مما هو ديني.
ويقول الباحث إن اليهودية كانت استمراراً للواقع السياسي الذي يوجه الدين، ابتداءً من كتابة التوراة بعد سبي بابل، ومروراً بظهور عقائد يهودية أساسية استجابة لواقع سياسي مرير، وانتهاءً بالاستخدام النفعي للديانة اليهودية كشعار سياسي تم على أساسه إعلان دولة إسرائيل. أما في المسيحية فلم تكن الأناجيل والبشارة هي الحامل الوحيد للديانة، وإلا لما كانت الحروب الصليبية وأخواتها في العالم القديم والعالم الراهن. أما الإسلام، فهو دعا إلى بناء الدولة سياسياً ودينياً. ولولا جهاد النبي (صلعم) وصحابته لما انتشر دين الله بين العباد. ولهذا وجد يوسف زيدان أنه بات من الضروري تقديم فهم أشمل لارتباط الدين بالسياسة.
(•) يوسف زيدان: اللاهوت العربي وأصول العنف الديني. دار الشروق، ط3، القاهرة 2010.
(استاذ في الجامعة اللبنانية)
“النهار”




















