تعيد تصريحات رئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري العلاقة بين دمشق وتيار “14 آذار” في لبنان إلى حالة المد والجزر التي شهدتها منذ العام 2005. وربما تؤشر إلى أن العلاقة الناشئة بين رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وسورية تمر باختبار صعب قد يعكر أشهر العسل التي بدأت بعد زيارة الأخير إلى دمشق أواخر العام الماضي.
ففي حوار صحفي مع جريدة “الراي” الكويتية قال عطري “نحن لا ننظر إلى 14 و15 و16 آذار، فهذه الهياكل كرتونية.. نحن ننظر إلى الشعب اللبناني وإلى أمن سورية ولبنان والعلاقات الاستراتيجية بينهما عبر التاريخ…”.
هذه التصريحات التي خلفت امتعاضاً لدى “14 آذار”، لم تأتِ من فراغ، ولا يمكن إخراجها من سياقها الطبيعي وتجاهل الفتور الحاصل مؤخراً في العلاقة بين الحريري ودمشق على خلفية التباين الحاصل في لبنان بين فريقي “14 آذار” و”8 آذار” حول طريقة التعاطي الرسمي اللبناني مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، إلى جانب المذكرات القضائية السورية التي طالت شخصيات سياسية وأمنية وقضائية وإعلامية مقربة من الحريري على خلفية ما بات يعرف بقضية “شهود الزور”.
هذه المذكرات التي اعتبرها المسؤولون السوريون ذات طابع قضائي بحت، وأكدوا أنها لن تؤثر على العلاقات بين البلدين، قرأ الكثير من المحللين في ما بين سطورها رسالة سياسية واضحة إلى الحريري مفادها أن التوافق مع قوى “8 آذار” على طريقة التعاطي اللبناني الرسمي مع المحكمة جزء لا يتجزأ من تصويب العلاقات مع سورية، وأن الأخيرة لن تسمح باستخدام المحكمة لاستهداف حليفها حزب اللـه، فالمقاومة لا تزال خطاً أحمر بنظر صانع القرار السياسي السوري.
قبل صدور هذه المذكرات، أدلى الحريري بحديث صحفي لجريدة الشرق الأوسط تضمن لأول مرة إقراراً بارتكاب أخطاء بحق سورية من خلال اتهامها سياسياً باغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري، وأشار إلى وجوب “عدم تكرار الأخطاء السابقة…”. كما أقر بوجود شهود زور، واعتبر أنهم “ضللوا التحقيق وألحقوا الأذى بسورية ولبنان، وخربوا العلاقة بين البلدين وسيسوا الاغتيال…”.
سمعت دمشق كلاماً إيجابياً من الحريري، ولكنها كانت تنتظر تحركاً سياسياً من قبل الرجل يترجم تلك التصريحات إلى فعل سياسي على الأرض، ليس لإلغاء المحكمة، إنما لرفض استخدامها وتوظيفها لجريمة اغتيال الرئيس الراحل سياسياً من أجل استهداف حزب اللـه، بمعنى أن دمشق كانت تنتظر من الحريري أن يقوم بعملية مراجعة للمرحلة السابقة، ويستخلص العبر والدروس من استخدام جريمة اغتيال والده لاستهداف سورية، ويرفض الانخراط مجدداً بسيناريو آخر سيكون هذه المرة أشد خطورة على لبنان، وذلك في حال تضمن القرار الظني اتهاماً لحزب اللـه باغتيال الحريري الأب وتبنى الحريري الابن باعتباره رئيساً لحكومة لبنان هذا الاتهام وسار بمقتضاه نحو اتخاذ إجراءات تنفيذية على الأرض.
لا تريد سورية الوصول إلى هكذا وضع، لأن السيناريو سيكون مشابهاً ربما لما جرى في 7 أيار/ مايو 2008 على خلفية إصدار الحكومة اللبنانية السابقة برئاسة فؤاد السنيورة قراراً بنزع شبكة اتصالات حزب اللـه قبل أن تتراجع لاحقاً.. وقد انزلق لبنان حينها إلى ما هو أبعد من حافة الهاوية، وكاد أن يدخل حرباً أهلية جديدة لولا نجاح قطر في نزع فتيل الانفجار عبر اتفاق الدوحة الذي وضع حداً لواحدة من أخطر الأزمات السياسية في تاريخ لبنان.
من هنا يأتي الخطر، فهو ليس داخلياً بقدر ما هو خارجي، بمعنى أن الأصابع الخارجية التي نشطت ولا تزال تنشط في لبنان بمختلف الأدوات والوسائل المتوافرة لها، ستبقى كذلك طالما ظل حزب اللـه حاضراً في معادلة الصراع مع إسرائيل.
لقد بات معروفاً للجميع أن إسرائيل لم توفر فرصة لضرب حزب اللـه، تارة من خلال العدوان على لبنان كما حصل في تموز/ يوليو 2006، وأخرى من خلال زرع شبكات التجسس في كل مكان من هذا البلد… فهي تجهز جيشها للحرب القادمة على لبنان، وتقوم بالمناورة تلو الأخرى لمحاكاة هذه الحرب، فضلاً عن خرقها لأجواء لبنان يومياً واستفزازاتها المتكررة للجيش اللبناني.
من هنا، يمكن القول إن المطلوب إسرائيلياً كان ولا يزال بثّ الفتنة في لبنان بأي وسيلة كانت، من أجل إرباك حزب الـله في صراع داخلي وتسهيل التخلص منه في الحرب القادمة، وهذا يستدعي تحركاً جدياً وفاعلاً على مستوى القيادات السياسية في لبنان لمنع تطور الأمور باتجاه الأسوأ، فهذه مسؤوليات كبرى يتوقف عليها مصير وطن وشعب، صحيح أن الرعاية السورية السعودية أو معادلة (س ـ س) تشكل صمام أمان أو جسر خلاص للبنان، كما يرى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولكن من الخطأ الاعتماد فقط على هذه المعادلة لضمان أمن واستقرار لبنان، ذلك لأن هذا التفاهم ليس كافياً، لسببين، أولهما أن ثمة لاعبين آخرين على الساحة اللبنانية غير الرياض ودمشق، والثاني أن سورية لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تتخلى عن حزب اللـه لأنها ستخسر بذلك واحدة من أقوى أوراقها سياسياً إن لم نقل استراتيجياً.
من جانب آخر، من الخطأ الرهان على عدالة ونزاهة ما يسمى النظام الدولي أو المجتمع الدولي، ذلك لأن الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة تتحرك وفقاً لأجندات ومشاريع لا مكان فيها إلا لمصالحها بغض النظر عن مدى أخلاقيتها، فلا مكان للأخلاق في سياسات تلك الدول ومشاريعها وأجنداتها، ولدينا كل يوم شواهد جديدة تؤكد ذلك، لا سيما في منطقتنا العربية، وحسبنا ما كُشف مؤخراً من “وثائق سرية” حول احتلال العراق… ليس هذا إلا غيضاً من فيض.
يجب ألا ننسى أن الولايات المتحدة التي تحركت على الفور من أجل محاسبة المسؤولين عن اغتيال الحريري، لم تحرك ساكناً أمام اغتيال كثير من القيادات السياسية الأخرى.. وخصوصاً عندما تكون أصابع إسرائيل حاضرة فيها. أليس علينا أن نسأل أولاً لماذا لم يتحرك مجلس الأمن الدولي لتشكيل محاكم بحق مرتكبي جرائم الحرب الإبادة ضد مئات الآلاف من الضحايا في فلسطين والعراق ولبنان مثلاً؟. لماذا نغمض أعيننا عما يجري حولنا، ونضع من حيث لا ندري مستقبل أوطاننا في ميدان لعبة الأمم والقوى الكبرى؟.
المعروف أن المحاكم الدولية لا تشكل إلا بقرار سياسي دولي، بما في ذلك المحكمة الخاصة بلبنان التي تم تشكيلها بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1757، وقبل ذلك شكل المجلس لجنة تحقيق دولية ترأسها القاضي الألماني ديتلف ميليس قبل أن يتم تغييره على خلفية الفضائح التي تخللها التحقيق في عهده.
المهم هنا هو هل يمكن لأحد أن يضمن أن تكون هذه اللجان والمحاكم نزيهة وعادلة وغير مسيسة، بما فيها المحكمة الخاصة بلبنان.. في حين أنها موجودة أصلاً بقرار سياسي من قبل الإدارة الأمريكية السابقة التي امتهنت الكذب والتضليل كما بات معروفاً؟!.. ألم تتهم لجنة التحقيق الدولية سورية من قبل باغتيال الحريري وقدمت وثائق وصوراً كأدلة على ذلك الاتهام، في مشهد يعيد إلى الذاكرة الصور والوثائق التي عرضها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي حول أسلحة لدمار الشامل العراقية؟.
لماذا لم تتخذ المحكمة الخاصة بلبنان إجراءاً واحداً لمحاسبة شهود الزور الذين ضللوا المحققين الدوليين؟.. أليس ألف باء التحقيق يعني متابعة جميع خيوط الجريمة بما في ذلك شهود الزور؟.. من الذي أتى بهؤلاء وصنعهم ومولهم وحماهم وفبركهم ولقنهم تلك الشهادات التي أدلوا بها أمام اللجنة ضد سورية؟.. ألا يمكن أن يكون من فعل كل ذلك مرتبطاً بالقاتل الحقيقي للرئيس الراحل؟.. وماذا عن الضباط اللبنانيين الأربعة الذين اعتقلوا وسجنوا ظلماً وبهتاناً قرابة أربع سنوات بناء على توصية من السيد ميليس؟! ألم تتحدث بعض التقارير الغربية عن اختراق لجنة التحقيق الدولية من قبل أجهزة مخابرات دولية، وخاصة في فترة ترؤس ميليس لها؟!.
هذه بعض التساؤلات المشروعة والملحة، وهناك الكثير غيرها مما لا يتسع مقال صحفي لذكرها، فهي تحتاج إلى كتاب أو أكثر.
من غير الممكن فصل المحكمة عن المشهد السياسي العام في المنطقة والأحداث التي جرت بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وقبل وبعد احتلال العراق في مارس 2003، وقبل وبعد اغتيال الحريري في شباط/ فبراير 2005… لقد كان لبنان أحد أهم الساحات في مشروع الشرق الأوسط الجديد.
وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان أدرك حقيقة هذه اللعبة وخطورتها على لبنان والمنطقة العربية، فأجرى مراجعة شاملة للمرحلة السابقة نتج عنها عملية إعادة تموضع سياسي… لقد قالها بوضوح: “الدول الكبرى عندما تخطط، أحياناً تستعمل الأدوات الصغرى، وكنا آنذاك من تلك الأدوات، فبدأنا ندخل في النفــق… الخ”.
الآن خرج جنبلاط من النفـق، قد يكون ذلك مهماً ومفيداً، ولكن الأهم هو أن يخرج لبنان واللبنانيون.
“الراية”




















