الغربة ليست بعدا عن الوطن يقاس بالمسافات فكم من غريب عاش في وطنه؛ بين بشر يتكلمون ذات اللغة التي يتكلمها لكن بالكاد يستطيعون فهم ما يقول من آراء مفارقة للجماعة أو للحاكم السياسي وهوفي الحالين غريب وسط بني جلدته وليست الغربة أيضا بعدا عن مرابع الطفولة والصبا ؛ رغم كون هذه الأخيرة هي الأقرب إلى وجدان المرء؛ فكم من أناس كفروا بتلك المرابع وهم يتقلبون من جانب مؤلم إلى جانب آخر لايقل إيلاما جراء تبدلات في المواقع أو تناقضات في الاتحاهات غالبا ما تقود إلى صدمات لاتخلو من العنف في كثير من الأحيان؛ سواء كان عنفا ماديا قد يصل إلى حد القتل أو عنفا معنويا يبدأ من الحصار والحرمان ؛ المنع وتشويه السمعة ليصل إلى حد كتابة التقارير المهلكة والغربة ليست أيضا شعورا احترازيا يضعه المرء بين يدي نفسه ليتجنب تغيرات لايفهمها أو لا يوافق عليها والغربة أيضا ليست شعور بالاغتراب عن الزمان أو عن المكان ؛ إنها كل ذلك وهي أيضا صراع أو نضال مستمر ؛ ضد المكان ذاته وضد زمن هذا المكان وهو بالنسبة لحالتنا نحن المغتربين العرب وأخص هنا السوريين صراع ثقافي وسياسي متعدد الأبعاد يجد المرء فيه دائما على حافة هاوية الانقسام أو الإنفصام .
الغربة بالتسبة لي تحد مع الذات قبل أن تكون صدام متجدد مع قيم ومثل مختلفة لم أعشها وإنْ كنت قد تمثلتها قبلا على الصعيد النظري ؛ مثلي في ذلك مثل كثيرين من المغتربين العرب ؛ خصوصا اللاجئون السياسيين ؛ يجب التنويه هنا إلى وجود نوعين الاغتراب أو بالأحرى توعين من المغتربين المغترب الاقتصادي [بنوعيه الأساسيين فقراء تجشموا عناء المغامرة وباعوا ما فوقهم وما تحتهم للوصول إلى أوربا ولصوص سابقون مرتشون رجال حكم وأمثالهم جاؤوا إلى أوربا لاستثمار مسروقاتهم ] والمغترب أو اللاجيء السياسي .. بين طيات أو ثنايا الصنفين ( الاقتصادي والسياسي ) تجد عجائب الدهور وغرائب الأزمان ولعل الوقت سيتاح لي كي أكتب عن تلك الأصناف معرفا وموثقا .
كل يوم ؛ حين أمتطي دراجتي الهوائية فلست من أصحاب السيارات والأسباب كثيرة لا حصر لها ؛ تفرض مشاهد الغربة جدلها عليّ.. أصبحت مواطنا أوربيا[ هولنديا] أتمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها أبناء وطني الجديد لكنني مازالت مسكونا بهاجس الصدام من جهة وهاجس انعدام الثقة بالذات من جهة ثانية وفي الحالتين تورطني مشاعري في جدل مقارن غالبا ما ينتهي إلى مرارة ؛ إلى إحباط ويأس .. فكيف يمكن مقارنة بلدان خضراء مع بلدان جافة قليلة الأمطار ؛ فقدت غطائها النباتي ؛ بين بلدان صناعية متقدمة تحافظ على بيئتها الطبيعية وتحترم قوانبنها وبلدان متخلفة لاتقيم للطبيعة وزنا إما عن جهل أوعن تعمد ؛ بين أنظمة وجدت عبر التاريخ لتخدم الناس وبين أنظمة تسخر الناس لخدمتها ؛ بين ثقافة تعددية لا تعرف التوقف ولا السكون وبين ثقافة أحادية جامدة خالدة لا تزول ولا تحول؛ بين قيم إنسانية عليا تفرض كل يوم صيغة جديدة من صيغ التمازج والتعدد وبين قيم مفوتة فقدت منذ زمن بعيد عناصرها الإنسانية ورغم التفوق البارز والعملي للجانب الأول غالبا ما تختار مشاعرى الجانب الخاسر تقف إلى جانبه؛ تتعاطف معه تبكي لأجله .
يكاد الغريب أو المغترب يفقد توازنه وهو يحاول السير فوق أسلاك الحياة المشدودة ؛ تأتيه أخبار الوطن ؛ أخبار الناس فتنتابه مشاعر إحباط ويأس؛ حزن وقرف؛ ينظر من حوله فلا يرى فوارقا من حيث الهيئة والشكل العام بين إنسان الغرب وإنسان الشرق ، أقصد شرقنا نحن دون أي شرق آخر .. أقصد حتما بلداننا العربية على الأخص الدول المحيطة بإسرائيل فلدى أهل النفط إلى هذه الساعة ما يفعلونه .. الإنسان في سوريا لا يختلف عن الإنسان الهولندي إلا في لون الوجه .. فكلاهما لديه رأس وفي رأس كل منهما دماغ مع ملحقاته بالإضافة إلى أذنيين للسمع وعينين للرؤية ؛ جلد للحس وأنف للتنفس .. بل واللسان هو الآخر يكاد يكون متشابها من الناحية البيولوجية والوظيفية .. إلى ذلك نجد تشابها في القوام فليس للسوريين حتى الآن مظهر غير إنساني ..هم ليسوا قرودا وليسوا أحفادا لتلك المخلوقات الطيبة!!.. فأين يكمن الفارق ..؟ قد يبدو السؤال ساذجا عديم المعنى .. إنْ أمعنت قليلا ولم تستعجل منحازا إلى إجابة بعينها ستجد السؤال منطقيا خاصة بالنسبة لمغترب يجد نفسه في مواجهة تحديات متنوعة ليس أقلها تلك المقارنات شبه الليومية بين هنا وهناك ..
هنا ؛ حياة مادية لاهثة لكنها متطورة ومنظمة ..هناك ؛ حياة انفعاليه مشحونة مليئة وفي نفس الوقت متراخية فوضوية متخلفة ميالة للكسل وللغضب، هنا حياة صحية آمنة وهناك حياة مرضية بلا أمن؛ حياة مسكونة بالقلق والخوف .. هنا الأواصر والعلاقات الاجتماعية والأسرية باردة مادية محايدة بلا حس ؛ الناس فيها منفصلون عن بعضهم بعضا لكنها منسقة مرتبة من خلال الأندية والمنظمات الجمعيات والروابط .. هناك الحياة الاجتماعية كثيفة متداخلة ؛ حميمية ؛ طيبة فيها الكثير من الحنان الجمعي ؛ حياة متحررة من أسر نظم الحياة الجديدة ومن جداول الوقت فيها … هنا الناس أحرار إلى حد كبير فيما يخص قناعاتهم وممارساتهم؛ يختارون ما يريدون ؛ يقولون ما يشاؤون لكنهم لا يستطيعون فكاكا من نمط حياتهم المادية المنظمة إلى حد الكآبة والملل ؛ تكاد حياتهم تخلو من أهداف عليا بل وتخلو من المعرفة العامة ومن الثقافة ؛ خاصة الأجيال الجديدة .. هناك.. الإنسان عبد الخوف؛ قن من أقنان الاستبداد ليس له حق في شيء ؛ الإنسان السوري لايتمتع بحقوقه المدنية ؛ لا يستطيع الإضراب دفاعا عن حصته العادلة في عمله ولا يجرؤ على المجاهرة برأيه حتى لو كان الأمر يتعلق بعنق الرئيس أو بأكمام بذلته مع ذلك هو حالم كبير .. لديه أهداف كبيرة ؛ مازالت تداعب ذهنه بين حين آخر ؛ بغض النظر عن موقعه الاجتماعي وعن مستواه الطبقي فما زال يحلم بقيام نظام أكثر إنصافا وعدلا؛ بتحرير فلسطين والجولان ؛ بإزالة السرطان الإسرائيلي من قلب المنطقة ؛ بإقامة وحدة عربية [ جميلة ] .. هذا ما يحمله الغريب متجولا بين المتناقضات في جدل مقارنة لا يستقر على حال




















