غريبٌ عجيبٌ امرُ هذا البلد، كلُّ القضايا فيه تناقش علناً ومن قبل جميع الناس حتى لكأن الجميع يفهم في كل القضايا وكأن ليس هناك متخصصون وخبراء ومسؤولون يتحملون المسؤولية عن القرارات التي يتخذونها.
عينة من هذه القضايا نتابعها في يومياتنا:
اذا طرحت الاستراتيجية الدفاعية نرى ان اربعة ملايين لبناني يناقشون فيه وكأنهم جميعهم اصبحوا خبراء باعتبار انهم خريجوا اكبر المعاهد العسكرية في واشنطن وموسكو وباريس ولندن.
اذا طرحت الموازنة العامة للدولة، وهي بالمناسبة يمكن اعتبارها انها الاستراتيجية المالية للدولة، نجد ان الجميع يتحولون الى خبراء ماليين واقتصاديين ويتفوقون في هذا التحوُّل على وزيرة المالية بالذات وعلى فريق عملها.
من ضمن هذه الثقافة انفجر الخلاف واستطراداً السجال بين الوزيرة ريا الحسن ورئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون، الوزيرة الحسن خرجت عن صمتها بعد هجوم نفذه تباعاً نواب التكتل بدءا من رئيس لجنة المال النيابية الذي يتولى عرقلة الموازنة، في معرض دراستها في اللجنة، وصولاً الى معظم نواب التكتل الذي وصل بعضهم الى حد مطالبتها بالاستقالة.
امس استجمعت الوزيرة الحسن كل هذه المواقف وردت عليها دفعة واحدة، ولعل ابرز ما جاء في ردها القول التالي:
نحن من نشر رقم 11 ملياراً على موقعنا الالكتروني فهل كنا فعلنا ذلك لو كان في نيتنا اخفاء الارقام؟، جاء هذا الموقف اثر المواقف المتكررة للعماد ميشال عون والتي يوحي من خلالها ان مسألة الاحد عشر مليار دولار كانت مخفية وانه تمّ اكتشافها.
تتابع الوزيرة الحسن ملمحة الى الكيدية السياسية في استهداف الرئيس الشهيد، فتقول:
وزارة المال تعاقب عليها سبعة وزراء منذ العام 1993 فلماذا التركيز على الاربعة الذين كانوا مقربين من الرئيس الحريري؟
في هذا الكلام لا تبدو الوزيرة الحسن كأنها تحاول الهروب الى الامام بل تقبل التحدي الذي يطرح لجهة التدقيق في الحسابات، فتقول:
نرحب بأي تدقيق تجريه الجهات الرقابية او شركات تدقيق عالمية.
تعود الوزيرة الحسن الى موضوع الاحد عشر مليار دولار، فتقول: شاركنا جميعا بانفاق هذا المبلغ على تغطية عجز كهرباء لبنان ومتوجبات الديون وتعويضات حرب تموز وتعزيز الاجهزة الامنية والعسكرية خصوصا بعد حرب نهر البارد، اي بامكاننا ان نعدد وجهة الانفاق الذي اشتركنا به جميعاً، واكثر من ذلك ثمة قوانين اقرها مجلس النواب تدخل من ضمنها متوجبات مالية نحن ننفذها.
تضع الوزيرة الحسن الاصبع على الجرح حين تقول:
ان وزارة المال ليست الوزارة التي تنفق بل التي تتلقى اوامر بالدفع، لعل هذه الحقيقة ما سيؤدي الى فتح النقاش مجدداً، لكن لماذا لا يكون هذا النقاش داخل مجلس الوزراء، فالعماد عون لديه عدد لا يستهان به من الوزراء ويأتي في طليعتهم وزير الاتصالات الذي يناقش في القضايا المالية اكثر مما يناقش في قضايا وزارته. أليس الكلام داخل مجلس الوزراء ما يخفف من ملايين الخبراء الذين يناقشون في كل شيء حتى في الموازنة؟
الانوار




















