هذا الكتاب في جوهره أفكار متبادلة وآراء متشابكة وأطروحات متفاعلة تضمها حوارات دارت على مدى جلسات عدة في ربيع عام 2008 في العاصمة الأميركية واشنطن. طرفا هذه الحوارات هما الدكتور زبجنيو بريجنسكي أستاذ الإستراتيجية والجنرال برنت سكوكرفت وكلاهما يستند إلى خلفية علمية وخبرة ميدانية في شؤون الأمن القومي بالولايات المتحدة.
وقد تولى إدارة الحوار والتعليق على جوانبه الكاتب الصحافي الأميركي ديفيد اجناتيوس. وربما تتجسد أكبر مزايا الكتاب في هذا الأسلوب المبتكر في عرض وتحليل ومناقشة مختلف القضايا المطروحة بشأن دور أميركا وقيادتها الجديدة في مستقبل عالمنا وقد كفل هذا الأسلوب الحواري أن يبتعد الكتاب عن منطق الوصاية أو فرض الأفكار بقدر ما كفل بالضرورة شعور المشاركة من جانب القارئ الذي لابد وأنه يحس بقدر لا يخفى من الحميمية والتواصل مع هذه الخبرات التي كان لها دورها في صنع وتنفيذ الاستراتيجيات والقرارات في أميركا في مرحلتي السبعينات والتسعينات من القرن العشرين.
رغم أن أشهر المحاورات في التاريخ. تحمل اسم «محاورات سقراط» وهي دفاع الفيلسوف الإغريقي عن نفسه لدى محاكمته في أثينا القديمة.. إلا أن الكتاب الذي نعرض له في هذه الأحاديث يضم نوعا أولى بالنظر باعتباره يطرح قضية معاصرة، لا من حيث اتصالها باهتمامنا وحسب، ولكن أيضا من حيث علاقتها الوثيقة بما يدور على مستوى العالم من دوامات الخطر والخشية على المستقبل المالي والاقتصادي. يزيد اهتمامنا أولا بهذه المحاورات المعاصرة لأنها تتعلق بدور أميركا في عالم اليوم.. أو بالأدق في عالم المستقبل. ويشتد هذا الاهتمام ثانيا في ضوء الدور القيادي ـ المحوري الذي باتت أميركا تؤديه في تسيير أحوال عالمنا.. لا لمجرد موقعها كقوة عظمى منفردة ولكن كذلك لأنها البؤرة الأساسية التي صدّرت إلى عالمنا مجموعة المشاكل المالية والهموم الاقتصادية التي تؤرق سكان المعمورة في هذه الأيام.
ثم يتعمق هذا الاهتمام بالكتاب لأن أفكاره وأطروحاته وسطوره تضم ثلاثة أسماء لها قيمتها في الفكر السياسي الأميركي في اللحظة الراهنة وهم: أستاذ العلوم السياسية زبجنيو بريجنسكي والخبير الاستراتيجي برنت سكوكرفت والكاتب الصحافي المخضرم ديفيد اجناتيوس. وعندنا أن أكبر ميزات هذا الكتاب إنما تكمن في توجهه المستقبلي من ناحية ثم في اهتمامه إلى حد التركيز على جانب السياسة الخارجية للولايات المتحدة من منظور المستقبل من ناحية أخرى. يقول ديفيد اجناتيوس في تصدير الكتاب: إن الكتاب (في التحليل الأخير) يمثل دعوة (لقارئ جاد ومتمعن) كي يشارك في حوار اثنين من أعمق مراقبي السياسة الخارجية الأميركية.. وقد اتصل بينهما حبل الحوار.. (الذي شارك فيه الكاتب الصحافي) بإثارة الأسئلة وتحريك القضايا والتعليق على الأطروحات ـ حيث دارت هذه الحوارات عبر اجتماعات شتى ما بين الصباح أو الأمسيات من ربيع عام 2008 الجاري.
من هنا ـ وكما يضيف اجناتيوس ـ جاءت المحصلة أقرب إلى رحلة فكرية، يدير دفتها اثنان من «أفضل مرشدي الأمة ـ باتجاه عالم الخيارات التي يتعين أن يواجهها الرئيس الأميركي الجديد الذي سوف يتهيأ في غضون أسابيع مقبلة لدخول مكتب الرئاسة البيضاوي الشهير في البيت الأبيض».
من منظورنا العربي نرى أن مما يزيد من قيمة محتويات هذا الكتاب هو المنطلق الذي ظلت تصدر عنه الحوارات والتفاعلات الفكرية التي تضمها صفحاته وهذا المنطلق يتجسد في حقيقة أو بديهية أساسية هي:
أن العالم يتغير بصورة جذرية،وأن النماذج ـ بمعنى الأساليب التي طالما اعتمدها مسئولو السياسة في واشنطن بشأن دور أميركا في هذا العالم- ثبت أنها لم تعد صالحة للتطبيق أو الاستخدام.
لن يفوتنا أيضا أن الكتاب يجمع في حواراته قطبين من أقطاب الفكر والخبرة من كلا معسكري السياسة الحزبية في أميركا: بريجنسكي من الحزب الديمقراطي وسكوكرفت من الحزب الجمهوري وإن كانا يتمتعان بداهة بقدر سوف تعكسه سطور الكتاب من استقلالية الرأي وتوافق الأفكار.
ومع ذلك، فأيا كان اختلافهما في الرأي والرؤية فقد كاد يجمعهما هدف واحد يعود ديفيد اجناتيوس، وقد نصفه بأنه الكاتب، فيوجزه على النحو التالي: في كل حال يريد المفكران استعادة صورة (أو دور) أميركا الواثقة من نفسها.. والمتطلعة إلى الأمام،فهما يتصوران أن بلدهما استبد به الخوف في عصر الإرهاب، وبات معزولا من خلف جدران فكرية ومادية..
وفي كل مرة كانا يأتيان فيها إلى قاعة حواراتنا كان يعترضهما الحراس لتسليمهما بطاقة الأمن.. وساعتها كانا يضحكان إزاء عبثية عقلية الوكر المعزول التي وصلنا إليها. ويسجل لكل من طرفي الحوار الأساسيين: سكوكرفت وبريجنسكي أن سبق وحذرا من تورط أميركا ـ عسكريا وسياسيا ـ في غزو العراق..
وهو ما سجله النقاد الأميركيون الذين اهتموا بهذا الكتاب فور صدوره في سبتمبر الماضي، ومنهم من استعاد تحذير الجنرال سكوكرفت موجها إلى الرئيس بوش الابن وقد كان الجنرال مستشارا لوالده لشئون الأمن القومي حين قال: إن هذا السلوك الانفرادي في غزو العراق كفيل بأن يهوي بمستوى تعاون المجتمع الدولي مع أميركا بشأن مواجهة الإرهاب.
في الوقت نفسه استعادوا تحذيرات البروفيسور زبجنيو بريجنسكي التي قال فيها بالحرف: إن الحرب عمل بالغ الخطورة ولا يمكن التنبؤ بنتائجه ولا ديناميات عواقبه المترتبة ولاسيما في منطقة قابلة للالتهاب.. ناهيك أن تصدر الحرب عن موقف من ديماجوجية الخلط والالتباس والتخويف.
هنا أيضا يستخلص الصحفي الكبير من ثنايا هذا الموقف عبارة بليغة في الانجليزية بشأن ضرورة تغيير دور أميركا المرتقب في المستقبل. تلخص العبارة دور أميركا كالتالي: «ريتش (وليس) بريتش». وهو إذن دور التواصل والتفاعل على أرض الواقع مع سائر أطراف عالمنا.. وليس دور الواعظ أو الوصي الذي يتصور نفسه محاضرا يجود بنصائحه على الآخرين.
يتألف كتابنا من 8 فصول تبدأ بالتعرف على صورة الواقع الراهن بما يحفل به من أزمات تواجهها أميركا. ويكاد ثلاثي الحوار يراها من صنع الأميركان أنفسهم.. وبعدها يتناولون القضايا ذات الأبعاد الإقليمية في شتى مناطق العالم الجغرافية..
ما بين الصين والشرق الأقصى إلى أوروبا والشرق الأوسط.. أما ختام الفصول فهو أهمها كما نتصور.. لماذا؟ لأنه يتعلق ـ كما يؤكد عنوانه بالمهام العاجلة التي لابد وأن يبّت فيها رئيس أميركا الجديد المنتخب.. تلك هي مهام المرحلة الساخنة كما قد نسميها أو كما يصفها كتابنا حسب المصطلح الأميركي الشائع فيقول: المئة يوم الأولى.
في كل حال تبدأ مقولات هذا الكتاب بسؤال جوهري طرحه الفصل الأول على النحو التالي: كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ ومرة أخرى فنحن مهتمون بمثل هذه التساؤلات لا من منظور اهتمام.. أو انبهار بالشأن الأميركي بقدر ما أنها القناعة بمدى التأثير العميق لأميركا على عالمنا بشكل عام وعلى منطقتنا العربية، الشرق ـ أوسطية بشكل خاص.
وربما كان البروفيسور بريجنسكي هو أول من تصدي لمحاولة الإجابة موضحا أن أهم عوامل الخطأ أو القصور تمثله كلمة واحدة هي: الغرور. يقولها أستاذ العلوم السياسية معلقا على ما أكده الرئيس بوش في خطاب (حالة الاتحاد) الذي ألقاه مع مطالع عام 2008 .
وقال فيه «إن الحرب على الإرهاب هي التحدي الأيديولوجي الحاسم للقرن الواحد والعشرين». والمفكر السياسي ينتقد هذا المنحى في تشخيص المشاكل حيث يرى أن مشكلة أميركا مع حلول عام 2008 هي أنها فقدت ثقتها في نفسها وسمحت لساستها (طوال ولاية بوش وخاصة بعد صدمة 11 سبتمبر) أن يشيعوا بين جنباتها دعاوى الخوف ومشاعر الترويع.
هنا يتدخل الكاتب الصحفي ليلمح إلى أن هذا الترويع لم يأت بغتة مع أحداث المركز التجاري ـ بل كان عنصرا كامنا وربما راسخا في النفسية الجماعية، في أميركا كيف لا.. وقد ظلوا على مدار عقود من الزمن في خشية بالغة ومتواصلة من هجوم نووي من جانب الخصم السوفيتي الذي ظل ماثلا ومتربصا طيلة حقبة الحرب الباردة التي طالت على مدى خمسين عاما من عمر القرن العشرين.
وهنا يجمع شريكا الحوار ـ بريجنسكي وسكوكرفت، ومن واقع تجربة كل منهما كمستشار رئاسي لشئون الأمن القومي ـ على أن مهمة المستشار ـ كما أوضح بريجنسكي – ليست في زيادة التوتر عند رئيس الدولة بل في تنسيق استجابات رئيس الدولة في حال وقوع هجوم نووي.
سؤال موجه من الكاتب اجناتيوس إلى سكوكرفت: ـ هل تذكر يا جنرال اليوم الذي تغيرّ فيه العالم؟ من جانبي أنا أتصور أنه يوم انهيار حائط برلين.. وكان إيذانا بأن الإمبراطورية السوفييتية تجاوزت أوضاعها أي محاولة للإصلاح.
عند هذا السؤال جاءت إجابة مستشار الرئيس بوش – الأب للأمن القومي على الوجه التالي: ـ بالنسبة لي، كان اليوم الذي تغيرّ فيه العالم هو ذلك اليوم الذي وقف فيه كل من جيمس بيكر (وزير خارجية أميركا) جنبا إلى جنب مع إدوار شيفرنادزه (وزير خارجية الاتحاد السوفييتي) ليدينا معا غزو العراق لجارته الكويت. في تلك اللحظة أدركت أن الحرب الباردة انتهت في واقع الحال.
على هذه الآراء جاءت تعليقات البروفيسور بريجنسكي، على النحو التالي: ـ اعتقد أن الرئيس بوش ـ الأب ومستشاره الجنرال سكوكرفت تعاملا مع تلك اللحظة الفاصلة في التاريخ بقدر حقيقي من الذكاء والعمق.. بيد أن أروع اللحظات بالنسبة لي لم تكن هي سقوط الجدار.
فقد أمضيت معظم سنوات حياتي الفكرية دارسا لاستراتيجيات إسقاط الكتلة السوفييتية.. ولذلك فإن لحظة تتويج جهودي وأفكاري جاءت على وجه التحديد يوم 25 ديسمبر من عام ,1991. هو اليوم الذي شهد إنزال العلم الأحمر من فوق قباب الكرملين إيذانا بانتهاء الاتحاد السوفييتي.
من جانبه علق سكوكرفت قائلا: كانت تلك لحظات مفعمة بالشجن كما قد نقول.. لماذا؟ لأنه كان يوم الاحتفال بعيد الميلاد ـ الكريسماس ـ وهنا دق الهاتف الساخن وكان المتكلم هو غورباتشوف يقول للرئيس بوش الأب: سيادة الرئيس: هذه آخر مكالمة لي من مكتبي.. إن العلم ينزل الآن من فوق الكرملين.. أقصد العلم السوفييتي وأنا أستقيل الآن من منصبي.. وبذلك أصبح الاتحاد السوفييتي صفحة في دفتر التاريخ.
المؤلفون في سطور
* البروفيسور زبجنيو بريجنسكي أستاذ العلوم الإستراتيجية والمفكر السياسي ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وهو حاليا أستاذ في جامعة جون هوبكنز.
* الجنرال ـ طيار برنت سكوكرفت الذي كان مساعدا عسكريا للرئيس نيكسون ثم عمل مستشارا للأمن القومي مع الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب ويتولى حاليا رئاسة بيت للخبرة والمشورة في شؤون المال والأعمال الدولية.
* ديفيد اجناتيوس هو كاتب العمود نصف الأسبوعي في جريدة «واشنطن بوست» الواسعة النفوذ، وقد أمضى أكثر من 30 سنة في بلاط صاحبة الجلالة صحافيا في جريدة «وول ستريت» ثم رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «هيرالدتربيون» الدولية.
الصفحات: 290(متوسط)
الكتاب: حوارات حول أميركا والعالم
تأليف: بريجنسكي وسكوكروفت وإجناتيوس
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: بيسك بوكس،نيويورك،2008




















