غسان شربل
اشترط المتحدث عدم ذكر اسمه وقال: «لنترك جانباً موضوع التسييس في ما يتعلق بالمحكمة الدولية. ولنترك أيضاً سيناريوات التوظيف والتضليل وهي كثيرة. علينا التعامل مع الواقع كما هو. لا يستطيع «حزب الله» أن ينتظر مكتوف اليدين صدور القرار الظني. لا يستطيع احتمال قرار يتهم عناصر منه بالضلوع في اغتيال رفيق الحريري. مجرد ظهور الأسماء سيلصق به عملية الاغتيال ومسلسل الاغتيالات».
وأضاف: «ليست مسألة بسيطة أبداً أن يقال إن عناصر من الحزب أو من جمهور المقاومة كانت وراء عملية الاغتيال. هذا يعني أن شباناً من الطائفة الشيعية اغتالوا أبرز شخصية سنية في هذا الجزء من العالم العربي. لك أن تتصور وقع هذه المسألة في منطقة تعيش أجواء فتنة مذهبية. هذا يعني أيضاً فتح جرح لسنوات طويلة. وإيقاع الحزب والمقاومة في حرج داخلي شديد وفي عزلة عربية وإسلامية ودولية».
وقال: «سيعتبر اغتيال الحريري ضربة مدوية لتوازنات داخلية وإقليمية. يعني انه كان جزءاً من مشروع. ستتحول العلاقة مع الحزب مصدر إحراج إقليمي ودولي للدول التي تعتبره حليفاً كبيراً لها. باختصار إن مطالبة الحزب بأن يستقبل بهدوء القرار الظني تشبه مطالبته بتجرع كأس السم وهو لن يفعل».
اعترف المتحدث بأن إلغاء المحكمة الدولية ليس ممكناً. و «أن استباق القرار بقلب موازين القوى في لبنان عمل مكلف أيضاً. لا الدول العربية ستقبل بالنتائج ولا الدول الكبرى. سيعود التوتر الى بعض العلاقات العربية – العربية وستدخل العلاقات السورية مع أميركا وأوروبا في أزمة بالغة الحدة. الحل هو افتراق لبناني عن مسار المحكمة. تأخير القرار الظني وتعطيل المساهمة اللبنانية. هنا لا بد من سعد الحريري لتغطية قرارات صعبة بهذا الحجم. طبعاً لا بد من صفقة. والصفقة لا يمكن إلا أن تعني للفرقاء المعنيين بها تنازلات متبادلة وضمانات».
بعد يومين سمعت متحدثاً آخر. قال: «ما يطلب من سعد الحريري غير واقعي ويفوق قدرته على الاحتمال. رضوخه للتهويل سيعني خسارته المحكمة وزعامته في آن. ملف الاغتيالات لا يعنيه وحده. يستطيع أن يبدي مرونة في إطار صيغة استقرار يمكن تسويقها. مطالبته بغسل يديه من المحكمة تشبه الدعوة الى تجرع كأس السم. في مثل هذه الحال تصبح عائدات خروجه من منصبه، على رغم أثمانها، أقل ضرراً من عواقب استمراره في موقعه».
وأضاف: «قلب الوضع اللبناني الحالي بالقوة سيعني قهر المكون السني في لبنان ودفع البلد نحو العرقنة. مثل هذا الوضع يوجه ضربة الى المحكمة لكنه يوجه عملياً في الوقت نفسه ضربة للمقاومة. وإذا كان لا بد من سعد الحريري فلا بد إذاً من حل يستطيع قبوله وتحمل تبعاته. ربما شيء من الحقيقة أو الإشارة إليها وترميم موقع الدولة ومؤسساتها والابتعاد عن اعتبار الجيش اللبناني مجرد رديف أو ملحق. ورسم حدود واضحة لسلاح المقاومة في الداخل. وفتح صفحة جديدة ثابتة في العلاقات اللبنانية – السورية تضمن حل الملفات العالقة وآلية تنسيق في شؤون السلام والأمن مع ترك الملفات اللبنانية الداخلية للبنانيين».
استوقفني قول المتحدث إن الأمر يستلزم «صيغة شبه عادلة لتوزيع السم لا تغتال الحقيقة ولا تغامر بالاستقرار. صيغة تمكن البلد من تجاوز حال الانقسام الحاد والشلل وتؤهله للتعايش مع رياح المنطقة ومع المحكمة الدولية».
إنها أزمة بالغة التعقيد. كل طرف فيها يبدو قوياً وضعيفاً في آن. منطق التسوية يقوم أصلاً على توزيع السم.




















