الغارات والضربات الجوية على قطاع غزة، خلقت حالة من الخوف والإرباك في صفوف المدنيين بسبب ضراوتها وقوتها، وما أحدثته من خسائر بشرية فادحة ودمار كبير في الممتلكات والمباني والمؤسسات المدنية.
وتشير وكالة «معاً» الفلسطينية في تقرير الى أن «هذا الأمر أدى إلى شلل كبير في حركة التنقل بين المحافظات والمدن والقرى المختلفة في القطاع، بحيث أصبحت عملية التنقل بين المحافظات أمراً في غاية الخطورة والمجازفة، نتيجة لاستمرار قصف المواقع والأهداف».
حينما تخرج إلى عملك في الصباح الباكر تنتظر ساعات لكي تجد سيارة أجرة تقلك إلى مكان عملك في مدينة غزة، وما أن تجد سيارة تبدأ رحلة المخاطرة والمجازفة حيث لا ناس في الشوارع ولا مركبات كعادتها النشطة، ومعظم المحلات والمرافق مغلقة تماما، ومن وجد من الناس في الطرقات فانك ترى بعيونهم حزناً وخوفاً منقطع النظير، يترقبون بتوتر ما هو قادم.
تسير وسط شارع صلاح الدين الواصل جنوب القطاع بشماله، فلا ترى سوى الدمار والخراب الكبير. على طول الطريق أو بشكل أدق في «طريق الجحيم إلى غزة» ترى مراكز ومواقع للشرطة الفلسطينية التابعة للحكومة المقالة وللمؤسسات المدنية أزيلت من مكانها وسويت بالارض، وأشجار مدمرة ومقطعة تخلو من كل شيء حي، حتى عصافيرها وطيورها لم تعد موجودة.
لقد اختلفت المعالم كليا، وتغير وجه وصورة غزة الجميلة، ليحل محلها لوحة سوداء كتب عليها «غزة في قلب الجحيم»، وأصبحت بالكاد تتذكر هذا الموقع أو ذاك المقر، فكل شيء أزيل من مكانة وأصبح أثراً بعد عين، وكأن زلزالاً مدمراً ضرب المنطقة ولم يبق من أثرها سوى الخراب والدمار والبؤس والشقاء. هذه الحالة لا تختلف عند احد من المواطنين الذين يضطرون للتنقل والذهاب إلى أعمالهم، كالأطباء والمسعفين والصحافيين وغيرهم ممن يتوجب عليهم القيام بواجباتهم الأخلاقية والمهنية والإنسانية.
لكن دقات وخفقات قلبك تزيد بوتيرة متسارعة عندما تسمع صوت انفجار صادر من مكان ما، أو عندما تنصت إلى تحذيرات المذياع عبر إحدى الإذاعات عن وجود طيران «إف 16» أو مروحيات في أجواء المنطقة التي تسير بها بالمركبة، خاصة وأن الطريق إلى العمل يتوجب أن تسلك من خلاله معظم الطرق والمنشآت التي تم استهدافها.
وما أن تصل مدينة غزة فلا ترى شيئا مطلقا غير الموت الذي يخيم على المدينة وأحيائها وسكانها وأطفالها ومرافقها ومبانيها، فحجم الخراب والدمار الذي لحق بالمدنية فاق حد تصور العقل والمنطق، ولن تستطيع أن تسجل كاميرات الصحافيين وأقلامهم الصورة الحقيقية لهول ما حدث..
فلم تعد غزة كما عرفناها قبل أسبوع.. المؤسسات التعليمية والمقرات الأمنية والشرطية والبنايات التاريخية والنوادي الرياضية والمساجد ودور العبادة وحتى رياض الأطفال، لم تعد في مكانها، كل شيء تبخر كلياً.. وكأن زلزالا مدمراً ضرب القطاع، فأخذ معه كل شيء ولم يبق سوى أكوام من الركام والحطام، وأصوات الطائرات التي تنشر الفزع والهلع والخوف في القلوب الفلسطينيين الأبرياء، الذين يواجهون بأجسادهم أطناناً من القنابل والصواريخ.
فمبنى «السرايا» الذي بني في عهد الاستعمار البريطاني، والذي يعتبر أهم مبنى حكومي في القطاع لم يعد قائما، فقد دمر أجزاء كبيرة منه، وأصبح المرور من جانبه بمثابة اللعب بالنار، وهذه مباني الجامعة الإسلامية احد اعرق الجامعات الفلسطينية دمرت أجزاء كبيرة منها، ويتهدد الخطر والتدمير المباني المتبقية، وهذا قصر الحاكم أو قصر الضيافة لم يعد قائما، اختفى كلياً، ولن يستقبل بعد اليوم اى ضيف كان.
أما المباني الحكومية، كمجمع الوزارات ومنتدى الرئيس والمقرات الأمنية والنوادي، فقد أصبحت ركاما فوق ركام، وحطاماً فوق حطام، وأتعبت الكارثة الجميع، ودمرت بشاعتها أحلام الأطفال وحياة الكبار.
«وكالات»




















