قد لا تكون الكتابة عن الاحصاء الاستثائي الذي جرى حصراً في محافظة الحسكة في الخامس من تشرين الأول عام 1962 وعن ضحاياه، جديرة بالمتابعة وبالاهتمام من لدن القراء والمهتمين…، وذلك لكثرة ما كتب عن هذا الموضوع من قبل الكتاب والمثقفين والباحثين…، وأيضاً لكثرة البيانات والمذكرات والعرائض.. الصادرة بخصوصها من قبل مختلف الأحزاب والقوى الوطنية والديمقراطية…، وكذلك من قبل الهيئات والجمعيات واللجان والمنظمات… الحقوقية والمدنية والثقافية والاجتماعية… في سوريا.
ورغم كل ما قيل ويقال عن هذا الاحصاء الاستثنائي الجائر وعن الآلوف من ضحاياه الذين تحولوا – منذ تطبيقه وحتى الآن – إلى مشردين ومهاجرين في كل أصقاع العالم..، ورغم أنني أعترف مسبقاً بعدم قدرتي وإمكانيتي إضافة أي جديد إلى هذا الموضوع…، إلا أنه ورغم كل ذلك أجد نفسي غير قادر على عدم خوض غمار الكتابة في هذا الموضوع أوتجاهله.
وبداية، أقول: أن استثناء محافظة الحسكة حصراً دون بقية المحافظات السورية الأخرى، لتجري الدولة فيها إحصاء سكاني عام وخلال أربعة وعشرين ساعة ؟! تخفي في طياته وبين ثناياه إجراءاً عنصرياً بحتاً، سيما وأن جميع من تم تجريدهم من الجنسية السورية بموجب الاحصاء المذكور، هم من أبناء القومية الكردية، وأن المزاعم التي قدمتها السلطات السورية آنذاك لتبرير هذا الإجراء العنصري وتجريد عشرات الآلاف من المواطنين الكرد في سوريا من جنسيتهم السورية، من قبيل: وجود تسلل كردي من تركيا إلى سوريا هرباً من المظالم التركية بحق الكرد قبل هذا التاريخ…، ومن أجل تنقية سجلات الأحوال المدنية السورية من الغرباء…، تدحضها نتائج الاحصاء نفسه، فإذا كان هؤلاء الأشخاص الذين جردوا من جنسيتهم السورية، هم بالأصل من التابعية التركية وقدموا إلى سوريا نتيجة ظروف سياسية معينة آنذاك…، كيف لنا أن نفهم وجود من بقي متمتعاً بالجنسية السورية ومن جرد منها في نفس العائلة الواحدة ؟! فقد يصادف أن يكون الأب مواطناً والأبناء مجردين من الجنسية أو العكس كأن يكون الأب مجرداً من الجنسية والأولاد يحملون الجنسة السورية أو أن يكون بعض الأبناء يحملون الجنسية السورية وبعضهم الآخر مجردين من الجنسية السورية…، هل من المعقول أن يكون الأب سورياً والأولاد من الأكراد المتسللين من تركيا ؟!! أو العكس أي أن يكون الأولاد سوريين والأب من الأكراد المتسللين من تركيا ؟!! أو أن يكون قسم من الأولاد سوريين والقسم الآخر من الأكراد المتسللين ؟!! ثم أن قسم كبير من الذين جردوا من جنستهم السورية، خدموا في الجبش السوري ومنهم من تبوأ مناصب رفيعة في الحكومات السورية قبل أن يصبحوا مجردين من الجنسية، فهل من المعقول أن يصبح متسللاً من دولة مسؤولاً رفيعاً في دولة أخرى ؟!!
وإذا لم يكن ذلك الاحصاء الاستثنائي، إجراءاً عنصرياً..، وإنه كان مجرد تدبير قانوني وقائي لمواجهة التسلل الخارجي – كما أدعته السلطات السورية المسؤولة آنذاك – فلماذا امتدت مفاعيله وآثاره ونتائجه… المدمرة إلى الولادات الناجمة عن زواج هؤلاء الذين جردوا من جنسيتهم، ليصل عدد المحرومين من الجنسية السورية اليوم إلى أضعاف ما كان عليه عند تطبيقه، ولماذا لا تطبق التشريعات السورية المتعلقة بالجنسية، مثل: القانون ( 68 ) لعام 1951 والمرسوم التشريعي رقم ( 21 ) لعام 1953 والقرار رقم ( 82 ) لعام 1958 والمرسوم التشريعي رقم ( 67 ) لعام 1961 وكذلك المرسوم التشريعي رقم ( 267 ) لعام 1969 مع العلم أنه لو تم تطبيق هذه القوانين والتشريعات لما بقي فرد واحد بدون جنسية.
وقد أدى هذا الإجراء التعسفي العنصري إلى نتائج وإفرازات كارثية ومدمرة، بحكم أن تجريد الشخص من جنسيته، يترتب عليه حرمانه من ممارسة حقوقه الطبيعية المترتبة على الحق في الجنسية، مثل: حق العمل وحق التوظيف والحق في التعليم ومتابعة التحصيل العلمي والحق في التنقل والسفر ومغادرة البلاد والحق في الحصول على الرعاية الصحية والخدمات الطبية والحق في التملك والانتفاع بالأراضي الزراعية والحق في المشاركة في الحياة السياسية والعامة للبلاد…، مما أفقدهم ذلك من أهم مستلزمات وعوامل ممارسة حياتهم الاعتيادية وعرضهم للفقر والجهل والتشرد والضياع…
ورغم ما نتج عن هذا الاحصاء الاستثنائي الجائر، من الإفرازات والنتائج…، التي أشرنا إلى البعض منها، فإن الحكومات السورية المتعاقبة التي استلمت زمام الحكم في البلاد بعد الخامس من تشرين الأول 1962 ورغم إدعائها بإن من بين أهدافها تحقيق الحرية والاشتراكية والعدالة والمساواة…، أبقت على هذا الإجراء المنافي لكل ما ادعت به من قيم وأهداف ومثل عليا…، وحافظت على نفس المعاملة اللإنسانية مع ضحايا هذا الإحصاء البغيض – كجزء من سياسة التمييز والاضطهاد المتبعة بحق الشعب الكردي _ وجعلتهم يعانون من مرارة الظلم والحرمان ومن الشعور بالغربة وبعدم الانتماء إلى المجتمع الذي يعيشون فيه.
وإذا كان استمرار تطبيق هذا المشروع العنصري، وعدم معالجة تداعياته ونتائجه… الخطيرة. قد ترك آثاره السلبية الخطيرة على أبناء الشعب الكردي في سوريا، فأنه أضر أيضاً وبشكل غير قليلً بسمعة البلاد وأضعف وحدتها الوطنية… ، لذلك فإنه ومن أجل مصلحة الوطن وتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين وإعادة الكرامة المهدورة لهم ورفع الظلم والغبن والمعاناة… عن كاهلهم، يجب إلغاء نتائج هذا الإحصاء الاستثنائي الجائر، وإعادة الجنسية السورية إلى المواطنين الكرد المجردين منها، وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم من جراء ذلك طيلة هذه السنين الطويلة.




















