منحة نصف الراتب التي صدر مرسوم رئاسي في سوريا بصرفها، صباح يوم وقفة عيد الأضحى، لكافة العاملين في الدولة ومن في حكمهم ، أتت كمساعدة تقدم لهذا القطاع من المواطنين ذوي الدخل المحدود، ومثّلت اعترافا رسميا باستمرار أزمتهم المعيشية بطبيعة الحال .
وبغض النظر عن المدلول السلطاني الذي يكرِّسه معنى المنحة، والذي يرتبط بكرم المانح لابحق العامل في نصيبه من مردودالعمل والإنتاج . فإن توقيت المنحة المتأخر قبيل يوم العيد، والإجراءات شبه العسكرية التي رافقت تأمين صرفها
( كجلب المحاسبين وأمناء صناديق البنوك ومعتمدي الرواتب وإحضارهم بأقصى سرعة، وتحت الضغط والحراسة) يشيران إلى قرار مأوزم بشانها، لا شك أنه يعكس أزمة أكبر خلفها في السياستين المالية والاقتصادية للحكومة!.
يبرز في إطار ذلك، التخبط المشهود في تقديم بدائل الدعم الحكومي للمحروقات خلال السنتين الماضيتين، وزيادات الأجور التي بلغت نسبة الـ 65% خلال السنوات الخمس السابقة، لكن التقرير الاقتصادي لاتحاد العمال (السوري) لعام 2010، أثبت أنها لم تفلح في تجاوز معدلات التضخم المسجلة منذ عام 2005، مما دلّ على تراجع مستوى الأجور عمليا. وقد جاء في التقرير” أن الارتفاع الكبير في الأسعار أدى إلى زيادة الأعباء على شرائح الدخل المتوسط والضعيف, الأمر الذي زاد في معدل الفقر” … ” وإلى بروز خلل بين الأجور والأسعار في السنوات الأخيرة، مقارنة مع الفترات السابقة، عندما بنيت معادلة نظام الأجور والأسعار المتمثلة بالحصول على أجور قليلة مقابل سلع وخدمات أساسية منخفضة السعر أو مجانية. حيث يتم الآن تحرير أحد طرفي المعادلة، أي زيادة أسعار السلع والخدمات بشكل جوهري، مقارنة بتحريك الأجور بشكل ضعيف”. وقد اعترف النائب الاقتصادي مؤخرا، أمام مجلس اتحاد العمال نفسه، بأن الحكومة لم تتمكن من خفض معدلات الفقر في البلاد. و دلّت دراسة أعدتها مديرية الاقتصاد الكلي في هيئة تخطيط الدولة إلى ” أن النمو الاقتصادي في سورية قد تراجع خلال عامي 2008 و2009 ليصل إلى 3%، بعدما كان قد وصل إلى 5.5% عام 2007″!. كما أشار الملخص الاقتصادي للتقرير الوطني الأول للسكان في سورية لعام 2009 إلى “أن النمو في قطاعات الاقتصاد الحقيقي كان سالبا خلال تلك السنوات، وهو ما يضعف معدل النمو الاقتصادي بشكل عام”. وأظهر التقرير الاقتصادي المذكور أعلاه “أنه إذا ما استقرت معدلات البطالة في سوريا عند حدود 8%, فإن الحاجة ما زالت ملحة لخلق المزيد من فرص العمل، حيث لم يتم تنفيذ إلا (50%) من هدف الخطة الخمسية العاشرة، التي توشك أن تنتهي، والمتمثلة في خلق 625 ألف فرصة عمل جديد مع منتصف الخطة. كما ازداد حجم العمالة في القطاع الخاص غير المنظم “. علما أن الإحصاءات الرسمية السورية لاتتمتع بكثير من المصداقية، ويشك في ضعف منهجيتها ومعاييرها من جهة، كما في إخفائها لتدهور الوقائع من جهة أخرى!
هكذا، تنضم المنحة الأخيرة إلى مثيلاتها من المنح السابقة قبل سنوات، لا لتؤكد استمرار المحنة المعيشية التي يعانيها العاملون في الدولة وحِدّتها فحسب، لكن لتكشف عقم السياسات التي ينتهجها الفريق الاقتصادي الحكومي أيضا، سواء في فشل الإجراءات التنموية المزعومة، أو في فشل الإجراءات الرامية إلى معالجة الأزمة المعيشية للمواطنين من ذوي الدخل المحدود، أو ممن تدهورت أحوالهم وأصبحوا ضمن معدل الفقر. والذين لاشك أنهم يفيضون عن قطاع العاملين في الدولة، وينضم إليهم فائض مأساوي آخر، تستمر في تفاقمه أزمة الجفاف المضافة إلى نواتج السياسات التنموية التمييزية، والتي طالما أهملت شرقي سوريا وجزيرتها!
كل ذلك يشير، إلى أن إصلاح أحوال سوريا والسوريين مسألة أكبر من أن يحلها فريق من الخبراء الاقتصاديين والتقنيين، كما أنها تؤكد ترابط جميع جوانب الإصلاح، الذي يحتاج إلى مشاركة كل السوريين، فضلا عن كونه مسألة تتعلق بمجتمع المواطنين الفاعلين، لابالآلات والأرقام وقوانين العرض والطلب فحسب. وقد آن الأوان للاعتراف بأنها بأشد الحاجة إلى إصلاح ديمقراطي تأخر طويلا، ولابد له أن يبدأ بالقطع مع تجارب الإصلاح الأوامرية التي ثبت فشلها لدينا، و في كل مكان من حولنا أيضا.
20/11/2010
“النداء”




















