هي الخطط الخمسية التي تثير زوبعة من الوعود والمناقشات المعسولة في مرحلة إعدادها ، وتغرق الإعلام بفيض من التبريرات والأعذار والمسوغات قرب نهايتها وفي مرحلة تقييمها . عقود طويلة من الزمن – على امتداد عشر خطط خمسية – أمضاها السوريون بين صخب الوعود والأرقام البراقة الخادعة وإهدار الزمن ، ولم يتلقوا غير تفاقم في تردي الأحوال الاقتصادية والمعيشية ونتائج متواضعة في المردود وصخب عالي الوتيرة في تبرير الفشل واستعراض المعيقات . وفي كل مرة يكون حساب بيدر السلطة غير مطابق لحساب حقلها ، بل يختلف كثيراً عنه .
وعلى الرغم من انكشاف البئر وما فيه ، إلا أنهم لم يغيروا عاداتهم . ويبدو أنهم لا ينوون ذلك .
فخلال اجتماع مخصص لتقييم الخطة الخمسية العاشرة 2006 – 2010 والاطلاع على مؤشرات وتوجهات الخطة الخمسية الحادية عشرة 2011- 2015 مع ” عدد غفير من الإعلاميين ” من أجل ” تشاور وتبادل آراء ومساهمة في صنع القرار ” ( لاحظوا ديمقراطية المسؤولين وجديتهم ، يتشاورون مع الإعلاميين في صنع القرار ، وكأن البلد خال من الاقتصاديين وخبراء التنمية والنقابات والاتحادات القطاعية وأصحاب المصالح والرأي في الشأن العام ) ، عبر نائب رئيس الحكومة للشؤون الاقتصادية عن عدم وجود مشكلة ” في قيام الآخرين بالتقييم ” ، وعدم حصره في إطار الحكومة أو بالحقل الرسمي . لكنه لم يقل ماذا سيحل بهم ، إن هم انتقدوا الخطة . لأن السوريين لم ينسوا بعد ما حل برئيس هيئة تخطيط الدولة الدكتور تيسير الرداوي ( وهو من المولجين بإعداد الخطط وتنفيذها ) عندما قدم عرضاً تقييمياً بالوقائع والأرقام لنتائج الخطة الخمسية العاشرة في إحدى جلسات الثلاثاء الأقتصادي بدمشق ، وهي ندوة شبه رسمية . وكيف كلفه ذلك منصبه وربما أكثر .
صدِّق أو لا تصدِّق قول السيد النائب في الاجتماع المذكور أن ” الاقتصاد السوري يسير بالاتجاه الصحيح الذي يعد بتحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية ” . وبالتالي فلينم السوريون بالعسل وعلى حرير النعمة الموعودة . أما معاناتهم اليومية ومعاينتهم الدائمة لما يحدث حولهم واختباراتهم لأحوال الناس والمؤسسات في بلدهم فذلك شأن آخر . نفس الشيء يمكن أن يقال عن الإحصاءات الرسمية والتصنيفات الدولية ذات الشأن والتقارير الأكاديمية المختصة . إذ لا قيمة لها أمام خطاب السلطة الذي يقرر الحقائق وحده ، ويفرضها على الناس وفق قاعدة ” إذا قالت حذامي فصدقوها . . .
لكن عند الدخول في مناقشة تفاصيل الخطة واتجاهاتها وأرقامها تتغير اللهجة والمعطيات ونبرة الصوت :
– فحصة الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي ستواصل الانخفاض ، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر على الأمن الغذائي وتدهور متزايد في اوضاع الفلاحين والعاملين في الزراعة .
– وفي موضوع التشغيل ، تعترف السلطة بأن البطالة ستبقى التحدي الأبرز في السنوات القادمة . وأنها تشكل أزمة تتفاقم باستمرار ، وليس لدى المخططين رؤية لمواجهتها أو وعود يمكن إطلاقها في هذا المجال . وإذ تعترف السلطات بأن نسبة البطالة عام 2005 كانت 10,3% بعدد من العاطلين عن العمل يقدر بـ 537 ألفاً ، فإنها تتجاهل كلياً الأرقام الحالية والتي وصلت إلى 1,5 مليون عاطل عن العمل ، يضاف لهم سنوياً 250 ألفاً من الوافدين الجدد إلى سوق العمل .
– يعترف الدكتور الدردري أن ” الخطة لم تنجز ما وعدت به ” بشأن قضايا الفقر في سورية . ويقر بأن تجاوز هذه الحالة ” ليس سهلاً ” . لكنه يعلق فشل الخطة وانعدام الحلول المستقبلية لهذه المشكلة على حالة الجفاف التي تتعرض لها البلاد .
– من يصدق ” أن سورية شهدت خلال الفترة الماضية تحسناً ملموساً بعدالة توزيع الدخل ” ، وهو يسمع عن الأرقام الفلكية لثروات رجال السلطة وشركائهم وأزلامهم ، وأنباء الاستثمارات الضخمة التي تعمل بها الشركات القابضة المملوكة لسوريين ، لا تعرف حدود ثرواتهم ولا مصدرها ولا كيفية الحصول عليها . وفي الوقت نفسه يتكاثر الذين يبحثون عن قوت يومهم في الأعمال الوضيعة والتسول وصناديق القمامة ؟ !
– وفي مجال الاستثمار ، لم تستطع نتائج الخطة أن تخفي هزالة أرقام الاستثمار ومحدودية مشاريعها . فالوضع كما قيل ” هزيل جداً ” بل ” معيب ” ، وبعيد عن الإمكانيات المتاحة والمجالات الممكنة .
وكي يهرب المسؤولون والمخططون إلى الأمام ، ويبررون مسبقاً فشل الخطة الخمسية الحادية عشرة والعجز عن تحقيق وعودها ، فإنهم يضعون ” معدل النمو السكاني الكبير ” في البلاد وهو 2,45% في موقع التحدي الكبير الذي سيلقي بظله على كافة الحقائق والأرقام ، ويمنع انطلاقها لتحقيق الأهداف . دون أن تتضمن الخطة نفسها أي شيء ذي بال لمعالجة هذه القضية .
وهكذا . . تبدو الخطط الخمسية ، في ظل الاستبداد السياسي وتغييب الشعب وقواه الفاعلة والاستئثار بالقرارات وانعدام أي شكل من أشكال المراقبة والمحاسبة ، مجرد لعبة ورقية وإعلامية بين الأرقام والنسب ، أتقنها صناعها لتزيين أدوارهم ومهامهم . ويبقى الاقتصاد الوطني والأوضاع المعيشية للشعب ومستقبل سورية في قائمة الضحايا .
22 / 11 / 2010
هيئة التحرير




















