أيتها الأخوات . أيها الأخوة أعضاء المجلس. أيها الأصدقاء الضيوف المدعوون..
ـ اليوم إذ يجتمع مجلس هيئات المهجر لإعلان دمشق في أول دورة عادية له فإن الإعلان في خارج الوطن يحقق بذلك أول خطوة نوعية على طريق استكمال بنائه التنظيمي، وتعزيز فعالياته في مواجهة المهام العديدة التي تنتظره .
ـ هذه الخطوة، في الوقت الذي تعتبر فيه إنجازاً مهماً في مسيرة الإعلان في المهجر وديار الاغتراب . إنجازاً يجسّد، وإلى حدّ كبير، تصميمنا على مواصلة تحمّل مسؤولياتنا الوطنية، فإنها تتطلب من هيئات الإعلان : بمؤسساته وأعضائه ومؤيديه، مستوى نوعياً آخر، سواء على صعيد الوعي والمواقف، أم على صعيد العمل والممارسة .
أيتها الأخوات ـ أيها الأخوة ..
ونحن نجتمع اليوم في المنفى محرومين من أبسط حقوق المواطنة .. ينبغي ألا يغيب عن بالنا أن شعبنا، ومنذ أكثر من أربعين عاماً، يواجه نظاماً شمولياً شاذّاً لم يعد له مكان في عالمنا المعاصر . نظام الاستبداد والفساد والطغيان الذي دمّر قدرات شعبنا الذاتية، وعرّض نسيجه الوطني والاجتماعي لأفدح الأخطار المحدقة به في كل وقت . النظام الذي أتقن لعبة المناورة والتضليل، وأمسك بالعديد من الأوراق الداخلية والإقليمية والدولية يحرّكها متى شاء خدمة لهدفه الأساسي : ألا وهو استمرار اغتصاب إرادة شعبنا وتأبيد بقائه في السلطة .
ينبغي ألا يغيب عن بالنا أن خيرة أبناء شعبنا من أصحاب الرأي ورجال الفكر والقانون، سواء منهم الذين غادروا سجون النظام على دفعات متلاحقة، أو الذين ما يزالون يقبعون في السجون ينتظرون منّا ـ من هذا المجلس لأن يقدّم لهم دفعة من الأمل وشحنة من العزيمة، والوقوف إلى جانبهم دوماً، وتعريف الرأي العام العالمي بمعاناتهم وقضيتهم العادلة التي هي في أساسها قضية شعب صابر صامد في كفاحه من أجل التغيير وإنهاء ليل الظلم والاستبداد، وانه الشعب الجدير بالحياة الحرّة الكريمة مثل بقية شعوب العالم .
أيتها الأخوات ـ أيها الأخوة ..
علينا، ونحن نجتمع اليوم في هذا المجلس بحماس وتفاؤل ملحوظين، متطلعين إلى الغد بأمل موضوعي، ومؤكدين ثقتنا بشعبنا وتصميمنا على مواصلة تحمّل مسؤولياتنا الوطنية.. علينا أن نضع نصب أعيننا دائماً جملة من الحقائق الأساسية التي تستحق، من وجهة نظري، التوقف عندها، وإيلاءها المزيد من الاهتمام والاستيعاب ..
ـ أول هذه الحقائق أن المعارضة الوطنية الديمقراطية في بلادنا، بوصفها البديل للسلطة القائمة، إنما تحتاج إلى تأكيد مصداقيتها وتثبيت مشروعيتها في أنها البديل التاريخي المنشود وذلك بتقديم الأدلة الملموسة : السياسية والفكرية والأخلاقية، على أهليتها تلك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى : أنها في مواجهة التحديات والصعوبات تستطيع إنجاز مهمات مرحلية وانتقالية ولو في مستوى الحد الأدنى المطلوب .
أما حين تعجز المعارضة، في السلوك والممارسة، عن تقديم تلك الأدلة، وعن إنجاز تلك المهمات تكون قد استفحلت أعطابها ودخلت منحدراً من التراجع والانكفاء والعطالة، وعاشت حالة من الأزمة التي تتداخل أسبابها الذاتية والموضوعية. الأزمة التي تؤدي بالنتيجة إلى طرح السؤال الأساسي حول دور المعارضة وشرعية وجودها أصلاً، وهذا الأمر يتعلق بجميع أطياف المعارضة بصورة عامة .
ـ وثاني هذه الحقائق : أنه لا بدّ للمعارضة وهي تلتقي على هدف مركزي مرحلي : إنهاء حالة الاستبداد، والانتقال إلى حياة ديمقراطية، لا بدّ لها، في سيرها نحو تحقيق هذا الهدف، من مشروع سياسي ـ اجتماعي يعبّر عن تطلعات وهموم الشعب الأساسية، وإلا تحوّلت ممارساتها إلى حالة من التآكل والمراوحة وإثبات الوجود الشكلي . أي ممارسة السياسة السياسوية، كما يقال .
الديمقراطية، إذن، مشروع مجتمعي متكامل، وهي الصيغة الملائمة لحياة شعبنا وتطوره . لكي تنجح آلياتها السياسية التنفيذية في تداول السلطة، وتحقق أغراضها لا بدّ لها من أرضية تستند إليها . لا بدّ لها من عملية تثوير وإصلاح ثقافي شامل، وفي المركز منها : الإصلاح الديني من أجل تحرير العقل العربي من تركة ورواسب الفكر الغيبي الظلامي للعصور الوسطى .
ـ أما ثالث هذه الحقائق التي يجب علينا أن نصارح أنفسنا بها، وبكل شجاعة ومسؤولية، فهي أن مهمة تحقيق الديمقراطية تحتاج إلى ديمقراطيين، ونحن كلنا، أو في معظمنا، أبناء أحزاب تنكّرت سابقاً للديمقراطية أو حاربتها واعتبرتها أداة البرجوازية في استمرار تسلطها واستغلالها لمجتمعاتها، واستمرت تلك المواقف حتى عقد السبعينات من القرن الماضي . كما أن أكثر من سبعين في المائة من أبناء شعبنا الذين ولدوا أو عاشوا في ظلّ النظام الحالي قد نشأوا مشبعين بثقافة الاستبداد والخوف . ثقافة الاستلاب والتنكّر لأبسط حقوق المواطن والإنسان . وإضافة إلى ذلك، وما زاد في إشكاليات العمل الوطني الديمقراطي متاعب فوق متاعب، وما يسترعي الاندهاش والاستغراب أنه ما زال هناك العديد من الحركات والأحزاب السياسية التي تدعو إلى طريق خاص لتحقيق الديمقراطية . الطريق الذي يتفق، حسب رؤاها، مع خصوصيتنا وأصالتنا وتقاليدنا.. ملتقية بذلك مع طروحات ومواقف أنظمة الاستبداد العربية. كما لا نزال، حتى الآن، ونتيجة تواضع الدور الذي يلعبه الإسلام التنويري، نستمع ، بين الحين والآخر، إلى ما يردده البعض بأن الديمقراطية هي الشورى في تطبيقاتها المعاصرة . لا بل إن الشورى أشمل وأوسع إطاراً من الديمقراطية، وأنها، أي الشريعة، هي المرجع الأساس لقيام حكومة ديمقراطية .. !!! .
نحن إذن، أيها الأخوة مشروع ديمقراطيين . هذه حقيقة لا مراء فيها، وعلينا، من خلال الممارسة وعبر سيرورة الكفاح الوطني، أن نتغيّر حتى نستطيع أن نفعل ونُغيّر . علينا أن نطور وعينا وسلوكنا على صعيد الفكر والتنظير، وكذا على صعيد العمل والتدبير، وأن نتسلح بالعقلانية ومنظومة القيم الديمقراطية، وفي مقدمها : احترام الحقيقة الموضوعية والرأي الآخر والحق في الاختلاف والتنوّع، وللقناعة الأكيدة أن ليس هناك حقيقة مطلقة ونهائية في عالمنا الأرضي، سواء في عالم السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، وحتى في العلوم الطبيعية .
ـ أما آخر هذه الحقائق التي أودّ أن أعرضها أمامكم أيتها الأخوات ـ أيها الأخوة أعضاء المجلس، فهي المتعلقة بعمل هيئات إعلان دمشق في بلدان المهجر التي توالى تشكيلها على امتداد السنوات الثلاث الماضية .. لنصارح أنفسنا أنه ومن خلال التجربة المحدودة لهيئات الإعلان كانت هناك أخطاء كثيرة ومتنوعة : تنظيمية، وعلى صعيد العمل والممارسة، وإذا كان المجال هنا ليس مجال الغوص في تلك الأخطاء والمشاكل، بغض النظر عن دوافعها التي ربما كان معظمها بحسن نيّة، لكن كما يقال : ” فإن طريق جهنم مفروشة بالنوايا الحسنة..” ، فإذا لم يجرِ تدارك مثل هذه الأخطاء بعد الآن، وإذا لم نقلع بوعي وقناعة عن انتهاج تلك الأساليب الخاطئة في حل المشاكل الطارئة، فستكون لذلك نتائج سلبية على مستقبل عملنا، وسيؤدي ذلك، بالتأكيد، غلى نزيف متواصل، وإلى خسارة الكثير من أعضاء هيئات الإعلان ومناضليه .
إن روح التوافق التي نأمل أن تسود بُنية وعمل جميع مؤسسات الإعلان، سواء في الداخل أم في الخارج، ينبغي ألا تكون على حساب الأسس الديمقراطية السليمة وإلا انقلب الوضع إلى شكل ما لظاهرة المحاصصة وهيمنة عقلية الاستئثار والإقصاء بديلاً لقيم ومناهج العمل الجماعي المنتج التي يجب أن يطبّقها الفرد برضى وقبول واندفاع ذاتي لا أن يتمّ فرضها وتطبيقها بإجراءات فوقية وإدارية زاجرة .
ـ باسم تجمّع البعثيين الديمقراطيين الوحدويين الذين كانوا الهدف المباشر لهذا النظام : حقداً وتنكيلاً واضطهاداً، والذين وقفوا في وجه طغيانه واستبداده منذ اليوم الأول لقيامه . هذا النظام الذي كان حزب البعث نفسه أول ضحاياه بعد أن انقلب على مبادئه وعطّل مؤسساته واضطهد قياداته ومناضليه الحقيقيين . والأدهى من ذلك أنه استمر يرفع لافتة الحزب لتغطية طبيعته كنظام فئوي، شمولي، سلطاني، وذلك باستبدال تركيبته بتنظيم هلامي يضمّ الآن الملايين من أبناء شعبنا الذين جمعتهم دوافع متباينة كالخوف من الاضطهاد وتأمين لقمة العيش والعمل والوظيفة، أو بدوافع استمراء حياة الذلّ والمهانة والانتهازية وخيانة أهداف الشعب . تلك كانت خديعة كبرى ما كان لها أن تنطلي على أحد، وما زالت مستمرة، وإلى حدّ كبير، على الصعيدين الإقليمي والدولي ..
إننا ونحن نحاول تبيان حقائق التحولات التي حدثت، وجوهرها : الارتداد والتقويض، والإفساد والتفريغ المنهّجين، فإننا لا نرمي الدفاع عن حزب ما أو تبرير تجارب الحزب الواحد أو الحزب القائد . تلك التجارب وأشباهها التي أسدل الستار عليها تقريباً، والتي لم تجلب للبلدان التي أخذت بها وطبّقتها سوى النتائج الكارثية، وسوى التراجع والركود والتخلف في مضمار التقدّم الحضاري وفي كافة الميادين .
باسم تجمّع البعثيين الديمقراطيين الوحدويين الذين وقفوا منذ اليوم الأول لإعلان دمشق إلى جانب إخوانهم ورفاقهم المؤسسين من الأحزاب والحركات السياسية وهيئات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية في بلادنا، يحملون رسالته ويدافعون عن مبادئه وأهدافه، هذا في الوقت الذي استغلّ فيه الكثيرون غياب هيئات رسمية للإعلان في خارج الوطن فراحوا يشكّلون الجبهات ويصطنعون التنظيمات التي تدّعي انتسابها للإعلان، والتي كانت نشاطاتها، من حيث المآل الأخير، تشويهاً لصورة الإعلان وأهدافه، وتعميماً للانقسام والشرذمة في العمل الوطني الخارجي، وخدمة ومهادنة لنظام الاستبداد الممضي في اغتصاب إرادة شعبنا وانتهاك ومصادرة حرياته وحقوقه، علماً بأن إعلان دمشق لم ينصّ في نظامه الداخلي، ولم يعلن يوماً في أيّ من وثائقه الرسمية على أنه يختصر أو يحتكر العمل الوطني الديمقراطي في شخصه، بل سعى دائماً، وقدّم المبادرات المتواصلة من أجل تشكيل أوسع تيار وطني ديمقراطي يجسّد إرادة شعبنا، ويوحّد طاقاته على طريق إنجاز هدفه البعيد .
ـ باسم تجمّع البعثيين الديمقراطيين الوحدويين أحيّي انعقاد مجلس هيئات الخارج لإعلان دمشق في دورته العادية الأولى متمنين له كل النجاح في أعماله، وفي وضع الخطط والبرامج العملية التي تكفل تعزيز دور هيئات الإعلان ومضاعفة نشاطاتها في تكامل وانسجام مع هيئات الداخل .
ونحن، أيتها الأخوات والأخوة، على ثقة أكيدة بأننا نستطيع تحقيق هذه المهمة، وأنه بتعاوننا واتحادنا في إطار إعلان دمشق نستطيع أن نغيّر الصورة الراهنة لوضع السوريين خارج الوطن، وبخاصة من حيث تواضع ومحدودية مساهمتهم في نضال شعبهم من أجل التغيير الجذري . من أجل الحرية والديمقراطية وكسر جدران السجن الكبير الذي يعيش فيه منذ أكثر من أربعة عقود .
ـ بتعاوننا واتحادنا داخل إطار إعلان دمشق نستطيع أن نفعل الكثير، فهناك طاقات وكفاءات ضخمة ومتنوّعة تمتلكها الجاليات السورية والعربية في المهاجر .
ـ بتعاوننا واتحادنا داخل إطار إعلان دمشق نستطيع أن نغيّر الواقع الذي لا نرضاه جميعاً، وأن نتجاوز القول الشائع بأن هناك وطنيين ديمقراطيين سوريين كثر في خارج الوطن لكن حجم العمل الوطني الديمقراطي قليل .. !!!..
نعم أيتها الأخوات ـ أيها الأخوة .. نحن على ثقة كبيرة بأننا نستطيع تحقيق هذه المهمة وأن نحظى بتأييد وتفهّم كل قوى الحرية والتقدم في العالم، وبخاصة في الساحات التي توجد فيها هيئات الإعلان، ووقوفها غلى جانب كفاح شعبنا العادل من أجل إنهاء حياة الظلم والقهر والاستبداد .
ـ تحية الوفاء والتضامن مع معتقلي إعلان دمشق، وجميع معتقلي الرأي والضمير في سجون النظام .
ـ المجد والخلود لشهداء شعبنا الأبرار، وعاش كفاح الشعب السوري في سبيل الحرية والتقدّم والوحدة ..






