سيل القوانين والتشريعات والقرارات التي اتخذها ويتخذها مجلس الوزراء الإسرائيلي الحالي، ومجلس النواب الكنيست لم يتوقف بعد، وما زالت أغلبية في هذين المجلسين تريد أن تحيل حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يُطاق، وذلك بهدف دفعهم، بل وإجبارهم على البحث لهم عن أماكن عيش أخرى في بلاد أخرى! ومن ثم الاستيلاء على أراضيهم، تطبيقا للشعار المتداول والمعروف في الأوساط الصهيونية: “عرب أقل من أجل أرض أكثر للصهاينة”. وإذا كانت بعض الأوساط الصحفية الصهيونية نفسها أشارت إلى أن الحكومة والبرلمان الإسرائيليين ومن خلال ما يتخذانه من قرارات، وما يشرّعانه من قوانين، يعمّقان الكراهية والاحتقان، وزرع كل ما هو سلبي في حياة الفلسطينيين، بل إن بعضها الآخر الصحافة وبعض كتّابها وأوساط أخرى في المجالات العامة، خصوصا الثقافية من بينها أشارت إلى أن هناك تمييزا عنصريا واضحا وفاضحا في القوانين المتخذة تجاه الفلسطينيين، وهي لا تتماشى مع قوانين حقوق الإنسان العالمية.
وعلى الرغم من هذا، فإن سيل القوانين وسُعار اتخاذها وتثبيتها في مدونة هذه الحكومة وهذا البرلمان يتواصل، ليتوالى معها رفع سقف العنصرية والتمييز، ولا يقتصر الأمر على التشريع فقط، بل إن تطبيقات تلك التشريعات، تكون قد سبقتها إلى التنفيذ، خصوصا بالنسبة إلى الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين ومصادرتها بحجج شتى؛ بينها الحاجة والاحتياج والأمن وبناء مواقع ومعسكرات، وبناء الجدار والطرق الالتفافية والتطور الطبيعي، وغير ذلك من أسباب وحجج وتعلات. علما أن ذلك لا يتوافق مع القوانين الدولية التي تمنع المحتل من التصرف بالأملاك والأراضي المحتلة، إلاّ أن هذه “الدولة” التي قامت على أنقاض الوطن الفلسطيني، دأبت ومنذ العام 1948 وحتى الآن، على ازدراء القوانين الدولية، وعدم الأخذ بمضامينها، على الرغم من تكرار إدانتها والتنديد بإجراءاتها وتصرفاتها وقوانينها تجاه الفلسطينيين وحقوقهم وأملاكهم.
ومع ذلك فإن دولة الاحتلال لم تتوقف، ولم تتراجع عن ظلمها وقسوتها وانتهاكها للقوانين والأعراف الدولية، وهذا يعود إلى أنه ودائما كان هناك من يرعى ويعترض ويستعمل حق النقض الفيتو في المحافل الدولية من دول الغرب ضد أي قرار يدين إسرائيل، أو يطلب منها الانصياع للشرعية الدولية، كونها الدولة السوبر المحمية والمحصنة ضد كل أنواع القرارات، بل إنها تتعالى أحيانا على حُماتها الغربيين، لتذكّرهم بممارسات بعضهم ومجتمعاتهم، وبمحارق ومجازر ارتكبوها بحق أسلافهم وجدودهم من اليهود، بل وتتجسس عليهم وتسرق علنا أو سرا ما تريده من أسلحتهم وعتادهم، إذا أحجمت بعض دول الغرب أحيانا ومؤقتا عن عدم رغبتها بتزويدها بأنواع معينة من الأسلحة، نتيجة لحسابات آنية معينة، وهناك حوادث مشهورة ومشهودة في هذا المجال، كسرقة ومصادرة بعض الزوارق الفرنسية من ميناء شيربورغ الفرنسي على سبيل المثال.
من آخر ما صدر من قوانين عنصرية وتمييزية في “الدولة السوبر الإسرائيلية”، ما أقره برلمانها بالقراءة التمهيدية من مشروع قانون قضى بإلزام مالكي المنازل دفع تكاليف الهدم في حال تقرر ذلك، أي أن على المالك هدم بيته بنفسه، وإلاّ فإن جرافات الاحتلال ستقوم بالمهمة، وعلى المالك دفع تكاليف عملية الهدم حسب القانون والنظام المرعيين والعنصريين -!.
الغريب في هذا القانون الغريب، أنه لا يسري على المستوطنات أو البؤر الاستيطانية، علما أنها مقامة على أراض محتلة، ما يعني أن تطبيقه سيقتصر على الفلسطينيين فقط! ولأن الحاجة دفعت بعض الفلسطينيين إلى البناء أو التوسع والزيادة في بناء بعض بيوتهم، نتيجة زيادة عدد أفراد أسرهم، ورفض سلطات الاحتلال منحهم التصريح اللازم لهذا الأمر، لذا فإن بيوتا كثيرة تريد سلطات الاحتلال تطبيق القانون الجائر عليها، أي هدمها وتشريد سكانها، وإجبار المالكين على دفع تكاليف هدم بيوتهم. فهل هناك ما هو أقسى من أن يُفرض على الإنسان هدم بيته بنفسه؟ وألا يعني هذا تمييزا وعنصرية إذا تم استثناء وعدم تطبيق ذلك على المستعمرات الصهيونية المقامة فوق أراضي الفلسطينيين؟.
“الحياة”






