قيل ان الملك الأسطوري آرثر، سأل حكماءه وخاصّته عن أعظم الصفات في القادة العظام، فتلقى منهم مألوف الإجابات (الشجاعة – الكرم – العفو – الذكاء – الخ) لكنها لم ترو ظمأه الى ما يريد، وأخيراً وبعد جهد في البحث، مثل أمامه أحد الحكماء القادمين من قلب الحياة، فأجاب على سؤال الملك قائلاً: أعظم الصفات في القادة العظام، هي حين ينظر القائد الى الرجال فيرى بينهم من هو نظير له، فيشعره ذلك بالفخر – لا بالخطر.
ويقال ان الملك وجد في ذلك القول ما يستحق التطبيق، فأسس في ضوئه المائدة المستديرة التي ضمت حولها أشجع الفرسان وأكثرهم نبلاً ومروءة، فكانوا عوناً وسنداً للملك آرثرالذي وجد في كلّ منهم صديقاً ندّا، لا خصماً منافساً.
لا يهمنا في تلك الحكاية مقدار دقتها، بل رمزيتها الإيحائية، انها نظرية في الحكم ومثال للحاكم. فإذا كان ملك صاحب حقّ مطلق في ما يحكم، يجد في كلّ من فرسانه مكافئاً يتخذه عوناً وصديقاً، فكيف بنظام ديمقراطي يفترض ان يساوي بين فرص الرجال وقدرتهم على خدمة شعبهم؟
ليس ضرورياً نبش تاريخنا لنكتشف “قدسية” القادة وشعورهم بالتفوق على جميع من حولهم.
ذلك ما تخلقه هالة الحكم التي تخفي وراء وهجها كلّ العيوب (لا يخطىء الحاكم وليس معرضاً للحساب). تلك هي خلاصة موروثنا ديناً ودولة، لكننا في عصر يفترض انه آخر، حيث الحاكم بشر لا “قدسية” له سوى اختيارنا، ثم نجاحه في ما انتدب لأجله، ولكي يفعل ذلك، لابد من نظراء يرفدونه بالزخم ويمنحونه القدرة على النجاح. ذلك يعني ان مؤسسة الحكم الديموقراطي، هي في المعنى العام “مائدة مستديرة” كمائدة الملك آرثر، يشغل مقاعدها فرسان يرى فيهم المنتدب للحكم: فخراً لاشرّاً، وعوناً لاخصماً. لكن كي تنتقل تلك الحكمة من إطار المتمنى الى موقع الفعل، ينبغي ان تتحول فكرا وسلوكا ومنهج عمل، فهل من مجال لذلك في العراق؟
لا شك في ان للشعوب آلياتها المعقدة التي تبدو عصية على الفهم أحياناً، لكن الديموقراطية مصفى كبير تطهر فيه الشعوب وعيها وتجربتها، لتنتقي من خلالها ماتراه الأنسب. والتجربة العراقية على قصرها، أفرزت “فلاترها” لكنها لم تفرز بالنتيجة قادتها “العظام” الذين يحملون الصفة العظيمة كما رآها ذلك الفيلسوف. فمازالت نظرية الحكم لدينا تسير على قاعدة: رأس آمر وأطراف مأمورة، أما إذا تحولت رؤوسا متناظرة، فهي حتماً متصادمة أو مهشمة، لذا سيأتي وزراء حكومتنا المقبلة، لا ليكونوا “فرسان آرثر” بل معظمهم سيكون بين احتمالين: أقوياء خطرين، أو ضعفاء تابعين.
قد يبدو هذا فصلاً تعسفياً، فمابين هذه الصورة بحدّيها، هناك “بذور” تحمل ماهو مختلف، بمعنى ان ثقافة الحكم في العراق ما زالت تنهل من القديم: الحاكم الملهم، القوي الذكي، المكتفي بنفسه، والمؤثر في غيره، لكنها في الوقت عينه تزرع شتلات تجبر السياسيين على رعايتها.
جاء المالكي محاصراً بالنظراء، معظمهم يرى في نفسه الكفاءة والقدرة على القيام بما يكلفّ به من مهمات رئاسة الوزراء، بل قد يذهب بعضهم الى أكثر من مجرد النظير، ففرسان آرثر لا ينازعونه ملكاً، لكنهم نظراء في صفات الفروسية التي يتمتع بها كلّ منهم تماماً كما الملك.
يعتقد علاوي انه من قام بسحب سيف Excalibur (1) وبالتالي فينبغي ان يكون هو صاحب الحكم لامجرد نظير على مائدة الحكم، كذلك يحمل عادل عبد المهدي الشعور ذاته وإن بدرجة أقل حدّة، فيما يرى القادة الكرد أنهم بمثابة مرلين(2) الساحرالذي يرعى المائدة ويحدد موقع النظراء من حولها، كذلك يساهم في حماية العرش ان لم يغضب فيهزّه، اما الصدريون، فهم بوصلة الإتجاه وشراع السفينة.
ذلك هو المشهد العام الذي تبدو عليه “مائدة” المالكي وموقع النظراء فيها، لكن لكل منهم نظرته المختلفة.
لقد فقد علاوي الثقل الأكبرمن ائتلافه، حيث اتخذ النجيفي وقائمته مواقعهم بين النظراء ولا يتوقع لهم ان يغيروا جلستهم، كذلك ينضم الهاشمي الى مجلس النظراء بدوره بعد ان يحصل على منصب نائب رئيس الجمهورية، فيما يبدو العيساوي على مقاعد الإنتظار للاحتفاظ بمنصبه كنائب أول لرئيس الحكومة – أومنصب سيادي آخر – اما علاوي (غير المقتنع بما يعرض عليه) فمازال يدرس خياراته، لكن ما يبدو عليه من تردد في القبول بالمنصب الجديد المفصّل على مقاسه بشكل خاص، قد يكون مناورة للحصول على المزيد من الصلاحيات كي لايكون في موقع فخري، أما اذا بقيت الأمور على حالها، فالأفضل لعلاوي ان يبقى في المعارضة ليقود حركة ناشطة في البرلمان، وان كان في خيار كهذا، خطورة استغلاله من قبل المناوئين للعملية السياسية، ليتحول تاليا من معارضة برلمانية ديموقراطية، الى تجمع لدعاة العنف وعرقلة التجربة، ما ستنعكس نتائجه سلباً على المستقبل السياسي لعلاوي وحركته.
عادل عبد المهدي الذي يشير المتداول من الأنباء، انه رفض عرضاً للاحتفاظ بمنصب نائب رئيس الجمهورية، يكون عندها قد اتخذ القرارالصائب، فهو بعد حركته المنهكة في اتجاه رئاسة الوزراء، لا بد ان يميل الى الهدوء والتركيز لإعادة تقويم التجربة ورسم طرق تحركه المقبل كي يحدد من ثم الدور الذي يمكن ان يلعبه ومقدار المتوافر من عوامل النجاح في أداء ذلك الدور.
المجلس الأعلى الذي يطالب بأربع وزارات من بينها واحدة سيادية، يبدو انه لم يدخل حقل المراجعة بعد، لذا ما زال يسيرعلى النهج ذاته في رفع سقف المطالب، ذلك لأن نقاطه (7 نقاط) بما فيها المخصصة لمنظمة بدر، لا تكفي لمنحه ذلك العدد من الوزارات طبقاً لنظام النقاط المخصصة لكل وزارة، كذلك من المتوقع ان تذهب الوزارة الأولى من حصة المجلس، الى هادي العامري أو من يرشحه، نظراً الى المواقف البارزة التي اتخذها الرجل.
النظير الذي اتخذ مكاناً مريحاً حول المائدة، هو التيار الصدري، وهو الذي ابتدأ اللعبة بمهارة البهلوان لكنه سرعان ما تحول رياضيا بارعا، وعلى ذلك عرف متى يتوقف عن المناورة.
لا شك في ان للتيار الصدري دور الفارس الأبرز لانسيلوت (3) في حكاية الملك آرثر، الذي قد يعشق الحكومة، لكنه لا يتنكر لواجب الالتزام، ذلك لأن “التيار” يعمل ضمن نهج جديد يختلف في الكثير من مفاصله عن نهجه السابق، فجيش المهدي مجمد ولايتوقع له ان يعود للظهور في المرحلة المقبلة (الا في حال صعّد الارهابيون من نشاطهم الى درجة تهدد مسار العملية السياسية) كما ان التصاقهم بمشروع الدولة، يبدو خياراً استراتيجياً لاتكتيكاً ظرفياً، ما يجعلهم دائمي الحضور كنظراء في المائدة.
أما القوى الكردية، فمواقف التحفز مازالت حاضرة لديها، والتوجهات المقبلة يكتنفها بعض الإلتباس وان تستبعد ماهو مفاجىء. تصريحات الرئيس طالباني حول إعادة الحديث عن مبادرة الملك السعودي، تبدو غير واضحة في توقيتها، خاصة بعد ان قطعت المفاوضات بين القوى العراقية شوطاً في تفاصيل تشكيل الحكومة ومشاريع المصالحة الوطنية، ليأتي حديث الرئيس وكأنه اشارة ضمنية الى إحتمال اصطدام المالكي بمصاعب جديدة، وهو ماذهب اليه محمود عثمان بدوره.
الواضح ان الأمور لم تستقم بعد على مايتوقع لها، بدليل الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة على الأطراف السياسية التي لايتوقع لها ان تنتهي قريباً – حتى بعد تشكيل الحكومة – لكن في المقابل، لايتوقع لتلك الضغوط ان تحقق أهدافها بعد تزايد النظراء (الشركاء) في مشروع بناء الدولة وفق “المائدة” السابقة الذكر.
(1) Excalibur: سيف سحري غرس نصله في صخرة من الصوّان، وقيل ان من يستطيع سحبه من مكانه، يصبح ملكاً.
(2) مرلين: الساحر الذي رعى الملك آرثر ومكّنه من سحب السيف وتبوؤ العرش.
(3) لانسيلوت: أبرز فرسان المائدة المستديرة، وقع في حبّ زوجة الملك آرثر، لكن واجبه تغلّب في النهاية.
(كاتب عراقي)
“النهار”






