نصير الأسعد
تزامناً مع إندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إنطلقت حملة عنيفة على "النظام العربي" عموماً وعلى مصر خصوصاً، كان "حزب الله" في لبنان وأمينه العام السيد حسن نصرالله التعبير الأبرز عنها. وقد ركّزت الحملة على ما سمّته "تخاذل" النظام العربي عن التصدي للحرب العدوانية تارة و"تواطؤ" هذا النظام مع العدوان تارة أخرى.
رهانان فاشلان للحملة على النظام العربي
ومن متابعة دقيقة لـ"بنية" الخطاب "الموجِه" للحملة، يتبين أن ثمة رهانَين لدى الحاملين على النظام العربي. الأول رهان على أن تطول مواجهة "المقاومة" للعدوان الإسرائيلي أكبر فترة زمنية ممكنة وأن يطول صمودها زمنياً أيضاً، بما يؤدي الى إصابة العدو بـ"إرتباك" ما أو ضعف ما يغيّران مجرى المعركة. والثاني رهان على أن يطلق الغضب من العدوان في الشارع العربي متغيرات داخل الدول العربية، دول النظام العربي، قابلة للتوظيف المباشر في مجرى المعركة، أي متغيرات من شأنها قلب المعادلات.
هذان الرهانان ليسا جديدين في الواقع العربي. فمنذ هزيمة حزيران 1967 يواجه النظام العربي، وأنظمة محددة من ضمنه، حملات نقد حيناً وتخوين أحياناً. تبدل "المتناوبون" على مهاجمة النظام العربي وشتمه، فيما بقي هذا النظام العربي يتلقى الضربات لكن يصمد. بل أكثر من ذلك، شكّل هذا النظام العربي خشبة الخلاص حتّى لمهاجميه، وقد لعب دوراً إنقاذياً لهم من ورطات عدة وجدوا أنفسهم فيها.
تجربة 1982.. مع "الممانعة"
على سبيل المثال، صمدت "الثورة الفلسطينية" بقيادة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات نحو ثلاثة أشهر في مواجهة الإجتياح الإسرائيلي لببروت عام 1982. صمدت وقتاً كافياً جداً ليدخل في مواجهة العدوان من يريد لكن أحداً إضافياً لم يدخل. صمدت الوقت الكافي جداً ليفتح من يريد جبهة عسكرية أخرى في مواجهة إسرائيل لكن أحداً لم يفعل. وبالمناسبة، فإن أنظمة "الممانعة" في المنطقة لم تحرك ساكناً على الأرض لكنها عمدت الى المزايدة في المقابل: النظام السوري وقّع إتفاقاً لوقف النار في الأيام الأولى من الاجتياح وبدأ يعد العدة لمحاسبة أبو عمار على تخاذله (!) ولشقّ الحركة الوطنية الفلسطينية، ونظام معمّر القذافي في ليبيا لم يجد ما يقوله سوى دعوة "الثورة الفلسطينية" الى الإنتحار.. أما نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فأرسل حرساً ثورياً الى البقاع ليبدأ مرحلة تأسيس مقاومة "تخصّه" على أنقاض المقاومة الفلسطينية ثم على أنقاض توأمها "المقاومة الوطنية اللبنانية" فيما كان النظام العراقي منشغلاً في الحرب العراقية ـ الإيرانية. وحصل ذلك كله في العام 1982، فيما كان "النظام العالمي" برأسين، أحدهما يدعم "حركات التحرر" بقيادة الاتحاد السوفياتي الذي لم "يهزه" الغزو الإسرائيلي للبنان وعاصمته بيروت.
النظام العربي "المنقذ"
إن المقدمات الآنفة إذ تستحضر "وقائع" تاريخية، إنما تهدف الى تبيان حقيقة أن ما يتعرض له النظام العربي من حملات في ظرف العدوان الإسرائيلي على غزة، ليس أمراً جديداً، والى تظهير حقيقة أن النظام العربي "المتّهم" تولى في كل الأوقات إنقاذ "ما يمكن" إنقاذه و"لملمة" الواقع الذي كان خللُه لصالح العدو يزداد، ساعياً الى فتح أفق سياسي مرحلي جديد، صحيح أنه لا يجسد "الطموحات" كلها، لكن واقعيته لم تخرج يوماً عن "الحد الأدنى" الوطني الفلسطيني والعربي.
سرّ قوّته
ثمة إذاً "سرّ" في الأمر، في أمر "ثبات" النظام العربي في مقابل "التبدل" المستمر لـ"المتناوبين" على الهجوم عليه.
في هذا "السرّ" ثلاثة عوامل رئيسية.
العامل الأول هو أن "المقاومة" كانت "إشكالية" بإستمرار. فمرّة "إشكاليتها" تتمثل في كونها "مقاومة على أرض الغير" أو "مقاومة" من أرض "الغير"، وهذا ما جسدته "ثورة الشتات الفلسطيني" إنطلاقاً من لبنان، فكانت واحداً من عوامل الحرب الأهلية في لبنان ومن أسباب إنقسام الشرعية الوطنية اللبنانية. ومرة "إشكاليتها" تتمثل في كونها هي نفسها عنواناً لـ"إنشقاق" عن الشرعية الوطنية في بلدها، كما الحال بالنسبة الى "مقاومة حزب الله" في لبنان بعد العام 2000، وبشكل أوضح بعد العام 2005، و"مقاومة حماس" في فلسطين، وتحديداً منذ أواسط 2007 علماً ان "عسكرة" الانتفاضة الفلسطينية الثانية كانت خطأ ارتكبته فصائل عدة.
العامل الثاني هو أن أنظمة ما يُسمى "الممانعة" لم تقدّم نموذجاً "حقيقياً". أغلق النظاما لسوري جبهته مع إسرائيل. وخاضَ معها "حروباً بديلة" عبر لبنان بشكل خاص. وكان دائم الاستعداد للتفاوض معها ليبيع علاقاته بـ"مقاومات" في مقابل شراء موقع له. بل كان "على يمين" النظام العربي، إذ فاوض من خارج المحصّلة العربية ما أضعف هذه المحصّلة.
أما العامل الثالث فهو أن ما تعتبره "مقاومة" من هنا و"مقاومة" من هناك "الرجل المريض" في المنطقة، أثبت العكس، أي أنه "الرجل القوي" القادر بعلاقاته وإمكاناته على إنقاذ حتى من يتّهمونه بالتواطؤ والعجز. ومن هذه الزاوية بالتحديد، يُفترض النظر الى دور النظام العربي في إنقاذ لبنان و"حزب الله" عام 2006، من منطلق أن القرار 1701 كان إنقاذاً بالفعل، ساهم النظام العربي في إنتاجه.
النتائج المعاكسة لـ"المشروع الإيراني"
الى العوامل الثلاثة السابقة التي تشرح "سرّ" ثبات النظام العربي وقوّته في المراحل السابقة، ثمة عامل جديد منذ فترة.
إن "الهجوم" الإيراني على المنطقة العربية، الهادف الى اختراقها، شكّل تهديداً بتغيير هوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ذلك أن "المشروع الإيراني" يغيّر الهوية "الوطنية" و"القومية" للصراع بل يفرض قيادة "قومية" و"مذهبية" مختلفة له. وقد أدى هذا الأمر ويؤدي الى استنفار "الوطنيات" من ناحية و"البعد القومي" العربي من ناحية أخرى، وإلى تصليب النظام العربي بالنتيجة.
إن كل هذه العوامل مجتمعة تجعل النظام العربي قوياً بالرغم مما يتعرّض له. وهو المؤهل اليوم لأداء دور مركزي وقفاً للعدوان الإسرائيلي على غزة.
معطيان يعزّزان الدور العربي الآن
هو المؤهل للعب دور رئيسي يوقف العدوان على غزة، وذلك على تقاطع معطيَين. أوّلهما هو أنه لا بد من "نهاية سياسية" للعدوان، أي نهاية سياسية تحصّن وقف العدوان. ذلك أن للحرب الإسرائيلية حدوداً، وهذه الحرب في مأزق سياسي إن لم توافق إسرائيل على الخروج منها في "لحظة معينة". وثانيهما هو أن غزة بحاجة الى مخرج أيضاً، لأن لغزّة طاقةً محدّدة، ولأن "عودة" غزة الى الحاضنتَين الفلسطينية والعربية هي المخرج الفعلي الذي لا أحد غير النظام العربي يمكنه أن يوفّره. أي أن "إستئناف" وحدة الموقف الفلسطيني من جهة والضغط العربي "بـ" وحدة الموقف الفلسطيني وبالمبادرة العربية للسلام من جهة أخرى، هما السبيل الى وقف العدوان، وإلى فتح أفق سياسي مرحلي جديد.
إن النظام العربي حدّد في قمّة الرياض 2007 أسسه: مركزية الصراع العربي ـ الإسرائيلي أي مركزية الاستراتيجية العربية وقد حدّدها بالمبادرة، عدم إنفراد أي دولة، وعدم إنشقاق أي جهة داخل أي دولة عن الشرعية الوطنية. وهذه الأسس التي هي بمثابة دروس من تجربة حرب تموز 2006، ستكون على المحك في الأيام القليلة المقبلة.




















