عفيف رزق
فور بدء تنفيذ الخطة العسكرية الاسرائيلية بالهجوم على غزة، عبر القصف الجوي الكثيف، الذي اوقع مئات القتلى والاف الجرحى، فضلاً عن الدمار الشامل الذي اصاب البنى التحتية والمباني الرسمية والخاصة لهذا الشريط الأكثر إكتظاظاً بالسكان في العالم، إتجهت الانظار نحو الولايات المتحدة الاميركية، الحليف الدائم والثابت للدولة العبرية، واذا كانت ادارة الرئيس بوش قد حسمت موقفها مسبقاً الى جانب اسرائيل من خلال تصريح وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس حيث القت مسؤولية ما يجري على حركة المقاومة الاسلامية (حماس) التي لم تقبل بتمديد الهدنة المنتهية في 19 كانون الاول الماضي، فإن الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما وادارته إلتزما الصمت، واكتفى الاول بـ"مراقبة الوضع في غزة عن كثب"، كما قالت الناطقة الرسمية باسمه وبادر المستشارون المقربون منه بترداد عبارة اننا في مرحلة انتقالية و"ان في الولايات المتحدة رئيسا واحدا يتحدث باسمها هو جورج بوش حتى العشرين من الشهر الجاري"، تاريخ تسلم الرئيس الجديد مهامه في البيت الابيض.
يتفق معظم المراقبين، مع ما جاء في احدى افتتاحيات صحيفة "النيويورك تايمز" الاميركية، على ان الهجوم العسكري الاسرائيلي على غزة وتداعياته على الاوضاع العامة في المنطقة، يشكل تحديا كبيرا لإدارة اوباما. حيث كان هذا الأخير قد وضع على رأس سلم اولوياته معالجة الازمة المالية ـ الاقتصادية التي ما زالت تردداتها السلبية تتفاعل في الولايات المتحدة، يليها الوضع في كل من العراق وأفغانستان، ثم النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، وسرًب المقربون من الرئيس انه كان بصدد إطلاق "ديناميكية جديدة" لمعالجة هذا النزاع تقوم على التركيز على العمل الدبلوماسي ونبذ اللجوء الى استخدام القوة وخصوصا العسكرية منها، ثم إيجاد مجموعة نشيطة وكفوءة لمعالجة ملفات الشرق الاوسط: ايران وسوريا والنزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني. والأسئلة التي تطرح الآن: هل ستعيد الادارة الاميركية ترتيب اولوياتها على ضوء ما يحصل في المنطقة، وكيف سيكون رد فعلها على النتائج التي ستتمخض عنها هذه المواجهة وكم ستطول مدة الانتظار؟.
استنادا الى ما صدر عن اوباما خلال حملته الانتخابية الرئاسية والى ما يصدر عن مستشاريه المقربين، نستنتج ان الرئيس الاميركي المقبل لن يكون مختلفا عن سابقيه في تأييده اللامحدود لإسرائيل، لا بل انه سيذهب ابعد منهم في هذا التأييد حتى ان مراسل صحيفة هآرتس الاسرائيلية في واشنطن قال واصفا وضع اوباما تجاه الدولة العبرية، لدى اختياره مرشح الديمقراطيين في الانتخابات الأخيرة، بأنه "جدي اكثر من كلينتون وحليف اكثر من بوش، وايضا محب اكثر من عمدة نيويورك السابق"، وفي زيارته في تموز الماضي، الى اسرائيل، اعرب اوباما عن رغبته في رؤية القدس موحدة وعاصمة لإسرائيل، مع ان هذا الموضوع ما زال بندا اساسيا في المفاوضات التي تجري بين الاسرائيليين والفلسطينيين، ولدى مروره في "سديريت" المدينة الاسرائيلية التي تتعرض في بعض الاحيان للصواريخ الفلسطينية، اظهر تحزبا لافتا لإسرائيل، عندما عرض عليه احد المستوطنين اليهود بقايا قذيفة صاروخية وقال: "اذا اطلق احد النار على بيتي الذي تنام فيه ابنتاي كل مساء، سأفعل كل ما استطيع لمنعه من ذلك.. ".
هذه بعض آراء اوباما ما قبل التطورات الأخيرة والوضع، حتى دخوله البيت الأبيض، سيصبح "مختلفا جدا" عما هو عليه اليوم، كما تشير كل التوقعات.
لقد عرض مستشار الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون "روبرت ماليي" للاسباب التي تدعو اوباما للإنتظار ليحدد مواقفه من مجازر الاسرائيليين في غزة عبر ثلاثة سيناريوات محتملة للحرب الاسرائيلية: الاول وقف اطلاق النار بين الطرفين عبر وسيط، مما يعني ابقاء النار تحت الرماد وعوامل التفجير محتملة في اي لحظة. الثاني متابعة اسرائيل القصف الجوي لغزة مع متابعة اطلاق الصواريخ الفلسطينية على المدن والبلدات الاسرائيلية، اي حرب استنزاف قد تطول بين الطرفين والمنتصر هو من يتحمل نتائج هذه الحرب، والثالث هجوم عسكري بري اسرائيلي على غزة مما يعني عجز سلاح الجو، العمود الفقري للجيش الاسرائيلي، في حسم الموقف لصالح الدولة العبرية، وقيام حرب عصابات ضد القوات الاسرائيلية…
حلل الخبير في المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية "انطوني كوردسمان" نتائج هذه السيناريوات فوجد ان اسرائيل مدركة جيدا بان هجومها العسكري "لن يكون له تأثير حاسم" على حماس، بل بالعكس "كل مرة تندلع فيها اعمال العنف يصبح التقدم في السياسة صعباً"، لذا على اوباما وادارته الانتظار سنتين او اكثر قبل الالتزام "بحركة جدية" نحو ايجاد حل سلمي؟؟…
"المستقبل"




















