خلال زيارته لبنان، حرص رئيس الوزراء التركي على تأكيد الاتصال بالرئيس السوري قبل مجيئه وعلى نيته الاتصال به بعد مغادرته. ابدى استعداده للمساعدة في الخروج من الازمة الحالية، ازمة “شهود الزور” والقرار الظني. لكنه لم يقدّم اي اقتراح ولم يتّخذ اي موقف. فمن جهة يدرك الزعيم التركي حساسية النظام السوري تجاه أي تدخّل خارجي في الوضع اللبناني الداخلي. كما يدرك قوة النفوذ السوري في جارها الصغير – لبنان. ومن جهة اخرى، لا يشكّل لبنان اولوية في السياسة الخارجية التركية الجديدة التي وضع استراتيجيتها وزير الخارجية التركي، أحمد داود اغلو. فلبنان دولة صغيرة. سوقه الاقتصادية صغيرة. وليس له حدود جغرافية مع تركيا. إلا أن أنقرة تهتم للاستقرار اللبناني كون تداعياته يمكن أن تطول دول الجوار، المجاورة لها، واوّلها سوريا. فهذه الاخيرة تأتي في الدرجة الاولى في سياسة تركيا الجديدة في الشرق الاوسط لعدّة عوامل جيوبوليتيكية نبرز أهمها:
اولاً، على المستوى الاثني، تركيا دولة غير عربية. تسعى اليوم لأن تلعب دوراً اساسياً في الشرق الاوسط العربي، شبيه بالدور “العثماني” سابقاً. إلا ان العالم العربي تبدّل عما كان عليه في القرن السادس عشر. فالوعي القومي العربي بدأ خلال العقود الاخيرة للسلطنة العثمانية وتطوّر خلال القرن العشرين مع تأسيس الدول العربية ونجاح حركات الاستقلال فيها. من هنا حرص تركيا على دخول “هادئ” الى الشرق الاوسط عبر شراكات اقتصاديات وعلاقات صداقة ثقافية واجتماعية مع كل الدول العربية، وسوريا، في مقدمتها، كونها احدى الدول العربية الكبرى (الى جانب المملكة العربية السعودية، ومصر والعراق). وتاريخياً كانت دمشق عاصمة أول دولة عربية اسلامية، دولة الامويين. ولعب السوريون دوراً رائداً في النهضة العربية الحديثة. سوريا اليوم، لها حضورها الفاعل في القضايا العربية ليس السياسية فحسب، إنما الثقافية ايضاً والدينية والاجتماعية وغيرها. وبالتالي التحالف مع سوريا يعطى “شرعية” عربية للدور التركي في المنطقة، كما يعطي، منذ ثمانينات القرن الماضي، “الشرعية” للدور الايراني في الشرق الاوسط.
ثانياً، على المستوى السياسي ، تحرص تركيا على استقرار النظام السوري. فأي خلل فيه سيؤدي الى فوضى داخلية، ربما تكون أخطر من الفوضى التي حصلت في العراق بعد سقوط نظام صدام نظام حسين. وسيكون هناك خطر كبير من سيطرة الاصوليات الاسلامية والمنظمات الارهابية على الوضع في سوريا. مما سيؤثر مباشرة على تركيا التي لها حدود مشتركة مع سوريا بطول 822 كلم. وما يزيد من خطورة اي فوضى في سوريا أن الاكراد يقطنون طرفي الحدود. وهؤلاء يطمحون الى تأسيس دولة كردية او اقلّه الحصول على حكم ذاتي على غرار اكراد العراق. من هنا كان تطوّر العلاقات بين الدولتين في وقت كان المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الاميركية، يشنّ أكبر حملة ضغط وتهديد للنظام السوري لاجباره على “تغيير سلوكه”، كما صرّح العديد من رجال ونساء الادارة الاميركية السابقة.
ثالثاً، على مستوى الصراع العربي – الاسرائيلي، أي دور تركي في الشرق الاوسط العربي لا يكون كاملاً الا من خلال دعم القضية الفلسطينية ولعب دور في الصراع العربي – الاسرائيلي. وسوريا هي “المعبر الاجباري” الى هاتين القضيتين المتلازمتين. فهي دولة مواجهة ورأس حربة في جبهة الصمود والتصدي العربي ضد اسرائيل. وهي دولة حدودية مع اسرائيل التي تحتلّ جولانها منذ العام 1967. وتمسك سوريا بيدها “اوراق” احزاب فلسطينية ولبنانية مقاومة لاسرائيل واهمها “حركة حماس” و”حزب الله”. من هنا كان الموقف التركي المتقدّم من حرب غزة وحصارها الذي ادى الى إشكال ديبلوماسي بين انقره وتل ابيب. ومن هنا ايضاً مبادرة تركيا الى لعب دور الوساطة في مفاوضات غير مباشرة بين اسرائيل وسوريا قبل حرب غزة في العام 2008.
رابعاً، على المستوى الاقتصادي، سوريا هي سوق اساسية للصناعات التركية. فعدد سكان سوريا يتجاوز اليوم الـ 20 مليون نسمة، إضافة الى حوالى مليون ونصف مليون مهجّر عراقي. ففي العام 2004 وخلال الزيارة التاريخية للرئيس السوري بشار الاسد الى انقرة وقّع الجانبان اتفاقية تقضي باقامة منطقة للتجارة الحرّة بين البلدين، بدأ العمل بها في العام 2007. وبنتيجتها تطوّر التبادل التجاري بين البلدين من 400 مليون دولار اميركي عام 2004 الى ملياري دولار عام 2009. وتتابع الدولتان العمل على زيادة حجم هذا التبادل ليصل الى 10 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بحسب ما اعلن وزير التجارة التركي في تشرين الاول الفائت. ويزيد من أهمية سوريا انفتاحها الاقتصادي غير المسبوق بعد أكثر من اربعة عقود من النظام الاشتراكي. ففي بداية عهد بشار الاسد وضعت الحكومة السورية خطة اقتصادية تقضي بتحويل النظام الاشتراكي فيها الى “اقتصاد السوق الاشتراكي”. الانفتاح الاقتصادي السوري يجذب رؤوس الاموال التركية. كما تقدّم الشركات التركية العديد من الخدمات المعرفية في مختلف المجالات: الصناعية، والسياحية، والخدماتية، والبناء، والنقل… فتركيا متقدمة على سوريا في المجال الاقتصادي. لقد خرجت سريعاً من ازمة 2001 الاقتصادية. وتتخطى نسبة النمو الاقتصادي فيها الـ 7%. كما يحتل اليوم اقتصادها المرتبة الـ 16 عالمياً.
أهمية سوريا تكمن خاصةً في كونها بوابة تركيا الى الشرق الاوسط. فطبيعة الحدود السورية – التركية، البالغة 822 كلم، سهلة تسمح بانتقال الشاحنات المحمّلة بالبضائع من المصانع التركية في اتجاه الدول العربية عبر خطين رئيسيين: حلب – دير الزور – العراق، وحلب – حمص – دمشق – الاردن. وقد بدأت الحكومة السورية تطوير بناها التحتية لتكون بلد ترانزيت بين تركيا والدول العربية. فهي تعمل على توسيع وتعبيد الطرق الرئيسية بين حلب ودير الزور من جهة، وبين حلب وحمص ودمشق حتى السويداء من جهة ثانية. كما تعمل على اقامة وتطوير خطوط السكك الحديد. أما البوابة التركية الاخرى الى الشرق الاوسط عبر العراق، فهي، من جهة، ليست آمنة بسبب وجود الاكراد على طرفي الحدود. ومن جهة اخرى، صعبة جغرافياً. فطبيعة الارض الجبلية (حيث يتخطى ارتفاعها احياناً الـ 4000 متر) تعيق عبور وسائل النقل البري المحمّلة بالبضائع.
خامساً، وعلى مستوى النفوذ الاقليمي، تركيا اليوم تعود الى الشرق الاوسط تحت عنوان “صفر مشاكل” مع دوله. ولكن في سعيها الى دور فيه ستصطدم عاجلاً ام آجلاً بالدور الايراني القوي فيه. وسوريا في قلب هذا الدور، لا بل نقطة الارتكاز فيه. فالتحالف السوري – الايراني اعطى الجمهورية الاسلامية شرعية التعاطي في القضايا العربية، وأهمها القضية الفلسطينية. وبحكم موقعها الجغرافي، سوريا هي الممر الاجباري للدعم الايراني الى حلفائها في لبنان وفلسطين. وبالتالي فأي صراع نفوذ بين الدولتين الحدوديتين غير العربيتين على الشرق العربي لا بد أن يبدأ في سوريا. وها هو قد بدأ بطريقة غير مُعلنة. وخسارة هذا الصراع بالنسبة لتركيا يعني صعوبة تحقيق انفتاحها على الشرق الاوسط. من هنا حرصها على عدم ازعاج النظام السوري وبخاصة في لبنان. فدمشق اليوم دولة مستقلة لها دورها وحضورها الاقليميان، وليست “ولاية” تابعة لاسطنبول.
وبالتالي فلا يجب ان يتوهّم أحد في لبنان ان رجب طيب اردوغان سيستعمل رصيده السياسي وشعبية حزبه الداخلية وقوة تركيا الاقليمية والدولية لحل ازمتنا اللبنانية. فبحسب استراتيجية سياسته الخارجية في الشرق الاوسط لبنان ليس أولوية انما سوريا “اولا”!
استاذ الجيوبوليتيك في جامعة الروح القدس – الكسليك
“النهار”






