بعدما عاد شبح الحرب ليخيم على شبه الجزيرة الكورية في ضوء أخطر اشتباك بين الكوريتين منذ انتهاء الحرب عام 1953، تطرح اسئلة جدية عن الاسباب الكامنة وراء قيام النظام الكوري الشمالي بقصف جزيرة جنوبية. بداية، لا شك في ان العزلة الدولية المحكمة حول بيونغ يانغ وتصعيد العقوبات المفروضة عليها سواء من مجلس الامن او تلك التي تتبناها الدول بشكل احادي، قد وضعت كوريا الشمالية في الزاوية.
وتالياً، باتت الخيارات المتاحة امام كوريا الشمالية ضيقة الى أقصى الحدود: إما الخضوع للمطالب الجنوبية والاميركية بلا قيد او شرط وإما اللجوء الى التصعيد. ويبدو ان بيونغ يانغ اعتمدت الخيار الثاني من طريق توتير الاوضاع بهدف الايحاء بأن موقفها ليس ضعيفاً في أي مفاوضات مقبلة وكي توجه رسالة مفادها ان في امكانها تغيير قواعد اللعبة السائدة منذ الهدنة.
وليس في الامكان العثور على ما يعزز التفسير الاميركي للتصعيد، والقائم على ان القصف الكوري الشمالي يكمن في مضاعفات الفترة الانتقالية للحكم من كيم جونغ – ايل الى أصغر ابنائه كيم جونغ – اون. أي ان واشنطن تريد ان تلقي بمسؤولية التوتر على عملية الخلافة داخل كوريا الشمالية، اي على اسباب نابعة من بيونغ يانغ وليس من الخارج، كي لا تقر بأن واشنطن نفسها أخفقت في جذب كوريا الشمالية الى طاولة الحوار، وبأن اعتماد سلاح العقوبات وحده بدأ يعطي نتائج عكسية من شأنها ان تؤجج النزاع عوض حله.
ولا تهدد سياسة العقوبات بتفجير في شبه الجزيرة الكورية فحسب. بل ان هذه السياسة المعتمدة حيال ايران أخفقت حتى الآن في حمل طهران على تحقيق الغاية المرجوة منه ألا وهو وقف برنامجها النووي. ولم يبقَ من العقوبات سوى زيادة الاحتقان والتجاذب الاقليمي في الشرق الاوسط. ولا حملت العقوبات الاميركية سوريا ايضاً على تغيير موقفها وتلبية شروط واشنطن اقليمياً.
والمثير للغرابة هو ان اوباما الذي كان نادى في مستهل ولايته بالحوار الايجابي مع خصوم الولايات المتحدة، لم يتخذ خطوة كاملة في هذا الاتجاه بل ارتد الى سياسات متشددة مشابهة مماثلة لتلك التي كانت معتمدة في عهد سلفه جورج بوش على رغم ان هذه السياسات ثبت فشلها في اكثر من مكان في العالم.
وبعد الدرس الكوري الشمالي، بات على اوباما ان يفكر مرتين قبل الرد عسكرياً على بيونغ يانغ او اللجوء الى مزيد من العقوبات، لأنه يكون بذلك يدفع كوريا الشمالية الى تفجير اوسع للاوضاع ومن ثم العودة بالامور الى حقبة الحرب الباردة في آسيا، لا سيما ان الاوضاع مهيئة الان لمثل هذه العودة في ظل تصاعد النزاع الاقليمي ايضاً ليس في كوريا فقط، بل أيضاً بين الصين واليابان.
وفي الاجمال لن تعد العقوبات وحدها ورقة رابحة في يد الولايات المتحدة. وإنما باتت تشكل عامل تفجير. فلا اللجوء الى استخدام القوة المباشرة كما فعل اسلاف اوباما مثل بوش الابن وكلينتون وبوش الاب يمكن ان يقود الى الاستقرار، وافغانستان والعراق شاهدتان على ذلك، ولا المضي في سياسة اخضاع الخصوم من طريق زيادة العقوبات تؤتي ثمارها. وأبرز مثال على ذلك كوريا الشمالية وايران.
ويبقى ان الولايات المتحدة هي اليوم امام تحدٍ اقليمي آخر يهدد بنزاع اوسع في آسيا لن تكون هي بمنأى عنه. لكن هل هي مستعدة لفتح جبهة ثالثة بعد افغانستان والعراق، لا سيما ان الصين ليست بعيدة عن الجبهة الثالثة؟!
“النهار”






