مازال البعض يصُّر على إخافة الناس من العلمانية بوصفها أوهاماً، فكتب أحدهم يدعى أبو ماهر على موقع سيريا نيوز تحت عنوان “أوهام العلمانية” حاول فيها إيهام القارئ أنه اختار طريقاً ثالثاً بديلاً عن “العلمانية وشعار الإسلام هو الحل” لينتهي به المطاف بالتحذير من مهالك العلمانية ومخاطرها دفاعاً عن الدين، يقول كاتب المقالة : (ومن الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها فريق العلمانية، ادعاؤهم بأن العلمانية ليست ضد الأديان و محاولتهم إلباسها لباس الدعوة للوئام و المحبة و العيش المشترك،
و لا اعلم كيف يتأتى ذلك في ظل تسفيههم المسبق لفكر و معتقدات غيرهم و الدعوة لتحويل حاملي هذا المعتقد إلى متفرجين لا يحق لهم المشاركة في تقرير مصير وطنهم إلا إذا تخلو عن فكرهم الذي يعتبر مسبقا عند العلمانيين من المصادرات.) ثم يختم الكاتب مقالته جازماً بأن :(العلمانية لا تحمل حلا لأي شيء مما يواجهنا اليوم من تحديات و إنما هي مقتصرة على تنحية أصحاب الفكر الديني جانبا..).
ألي هذا الحد وصل التزييف والتضليل.!؟ ألي هذا الحد يتوهم البعض أنّ الناس لا تقرأ ولا تميز الغث من الثمين.!؟ ومع ذلك سنغض النظر عن كل هذا التضليل والتزييف الذي يمارسه البعض في حربه المعلنة والخفية ضد العلمانية والعلمانيين، شاكرين حرصهم وخوفهم علينا من خطر الانجرار وراء أولئك الذين يودون جرنا إلى مهالك العلمانية..! ونطلب عفوهم أن يتكرموا علينا أن يعطونا مثالاً واحداً عن إنجازات مناهضي العلمانية، وهل يستطيع مناهضو العلمانية أن يقولوا لنا من هي الدول الأكثر ثراء وتطوراً وتقدما الدول العلمانية أم غير العلمانية ? وهل يستطيعوا أن يقولوا لنا من يعتاش على الثاني الدول العلمانية أم الدول غير العلمانية؟ وهل يتجرأ مناهضو العلمانية إنكار حقيقة أننا ما زلنا نعتمد حتى في ستر عوراتنا على آلات الخياطة التي نستوردها من الدول العلمانية..والتي أتاحت لها علمانيتها اختراع الحاسوب والسفن الفضائية والأقمار الصناعية والطائرات والسيارات والدراجات والورق ..الخ بينما نحن مازلنا تنتظر بفارغ الصبر أخر ابتكارات علمانية الغرب..؟ وهل يستطيع أن يخبرنا مناهضو العلمانية عن مصير تلك الطائرات والسيارات وأجهزة الحاسوب والانترنيت التي نستوردها فيما إذا قرر علمانيو الغرب مقاطعتنا..؟ هل كنا سنستطيع صناعتها أو حتى صيانتها؟ أم سنعود إلى أيام زمان نمتطي الجمال والحمير كوسيلة ركوب ونقل، والاستعانة بالحمام كوسيلة اتصال بديلاً عن الهاتف والانترنيت..!!؟
كفى استخفافاً بعقولنا، فالعلمانية ليست موجهة ضد الدين، وهي ليست دينا آخر، بل هي وسيلة وطريقة لتنظيم العلاقة بين السياسي والديني. وإن فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية، يهدف في الأساس إلى حماية فكرة المواطنة وترسيخها بصرف النظر عن الدين والعرق واللون. بدليل أن الدول التي طبقت العلمانية لا يزال مواطنوها كما كانوا دوما مؤمنين بعقائدهم ويمارسون طقوسهم الدينية بحرية وماضون في بناء دور عبادتهم دون قيود، هذا إن لم تكن درجة النزعة الإيمانية قد زادت بفضل ما أتاحته العلمانية من حريات دينية أمام معتنقي مختلف الأديان والمذاهب.
كفى تضليلاً وتزييفاً، فالعلمانية هي التي أتاحت للمهاجرين المسلمين في الغرب أن يبنوا المساجد والجوامع، ويمارسون عبادتهم بحرية بخلاف دولنا غير العلمانية التي لا تسمح حتى لمواطنيها الأصليين ببناء كنيسة إلا بقرار من رئيس الدولة، وبعضها لا يسمح حتى بممارسة شعائره الدينية.. ومؤخراً رفض البرلمان الكويتي بناء كنيسة كما منع الأقباط من بناء كنيسة..!! وحتى لا نذهب بعيداً يكفي أن نشير إلى أن شبه القارة الهندية التي انفصلت إلى دولتين الباكستان والهند ، وكيف أن الهند تطورت وتقدمت بفضل علمانيتها، بينما مازالت الباكستان تتخبط في تخلفها والعنف يهدد وجودها، فعلمانية الهند أتاحت للدكتور زين العابدين عبد الكلام أبن صياد فقير من الأقلية المسلمة لاتشكل أكثر من 15% من سكان الهند أن يصل إلى رئاسة الدولة الهندية وأتاحت للدكتور مانموهان سينغ من الأقلية المسيحية التي لا تتجاوز نسبتها أكثر من 3% من السكان أن يتبوأ منصب رئاسة الوزراء. والعلمانية وحدها أتاحت لجنرال تايلاندي مسلم أن يجلس على رأس قيادة جيش تايلاند ذات الأكثرية البوذية الساحقة، كما أتاحت لشخصية مسلمة من استلام منصب رئاسة البرلمان في سنغافورة جلّ سكانها من البوذيين أو المسيحيين.
كلمة أخير ة أقولها وبعيداً عن التزييف والتضليل، إن العزف على الوتر الحساس لدى المؤمنين والتلطي خلف الدين لتشويه فكرة العلمانية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التخلف، ولن ينقذ بلداننا وينتشلها من القاع السحيق الذي وصلت إليه، ما لم نُعيد الاعتبار للعقل الذي حاربناه منذ أن أحرقنا كتب ابن رشد قبل ألف خمسمائة سنة، والعمل على إقامة الدولة المدنية التي هي دولة كل المواطنين بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو العقيدة وليست دولة المؤمنين بهذا الدين أو هذا المذهب أو ذاك ، فالدولة أصلا لا تنهض علي الإيمان إنما على المواطنة. ويبقى إيمان الإنسان بخالقه شأناً خاصاً بهما، لا يجوز لأحد التدخل فيه.







