بمناسبة اليوم العالمي للعنف ضد النساء، التقت صحيفة “لوموند” الفرنسية (27 تشرين الثاني 2010) مديرة المركز الوطني الفرنسي حول حقوق النساء والعائلات (CNIDFF)، آني غلبرتو، لسؤالها حول تحليلها لمسألة تعنيف النساء. هنا أهم ما ورد في هذا اللقاء:
– “لوموند”: الخامس والعشرون من تشرين الثاني هو اليوم العالمي للعنف ضد النساء. ألا تعتقدين بأن المجتمع ما زال يتسامح تجاه هذا العنف؟
– آني غلبرتو: السياسة الرسمية بخصوص محاربة العنف الذي تتعرّض له النساء تحسّنت كثيراً في الآونة الأخيرة؛ سيما في مجال حماية الضحايا وقمع المنفذين والوقاية من التصرفات العنيفة. لكن التساهل بهذه التصرفات ما زال طاغياً على العقول، بما فيها عقول بعض المتخصّصين. وما يشهد على هذا الطغيان، هو الصعوبة التي تجدها الضحية بالتكلّم عما تلاقيه وشكواها منه (…).
علينا أن نعي أهمية كل أشكال العنف التي تمارس ضد النساء، وأن نعي خطورتها ايضا. أشكال العنف هذه لا تُختزل بذاك الذي يمارس داخل الكوبل، العائلة الصغيرة، بل علينا ان نضيف اليه كذلك عمليات الاغتصاب والعنف الجنسي في العمل والزيجات القسرية والتشوّهات الجنسية والبغاء.
– “لوموند”: ما الذي يحمله قانون 9 تموز 2010؟
– آني غلبرتو: من الآن فصاعداً، سوف يستفيد ضحايا العنف من أنظمة حماية يصدرها قاضي الشؤون العائلية. هذا النظام يسمح بطرد الشريك العنيف، وإخفاء عنوان الضحية الجديد، واعتماد أشكال من الحضانة للأولاد، وإعطاء الحق بالتمتّع بالمنزل العائلي والمساهمة في المهمات المنزلية. تؤخذ هذه الإجراءات لمدة أربعة أشهر، قابلة للتجديد مرة واحدة في حال طلب الطلاق. ويستفيد من هذه الأنظمة أيضاً بالغون معرّضون لزواج قسري، بالسماح، في بعض الحالات، بتجديد مدة إقامتهم.
إن هذه الأنظمة التي انتظرتها الجمعيات المعنية منذ زمن هي بمثابة تقدّم ملحوظ في مجال حماية الضحية. وهي تسمح بالحصول على المساعدة القانونية، وهذا ليس بالأمر الهين، لأن معظم الضحايا لا يملكون موارد خاصة بهم. وفي ما يخص الأطفال فإن هذه الأنظمة تعزّز ممارسة حق الزيارة ضمن أوقات محددة وفي حضور أخصائيين. وهي تسمح أيضاً، في بعض الحالات، بوضع سوار الكتروني في معصم المبادرين إلى العنف الزوجي.
الجمعيات المعنية تجنّدت من أجل تطوير هذه الأنظمة تشريعياً. البرلمانيون من جهتهم أخذوا المسألة على عاتقهم، وقد صوّت البرلمان على هذه الأنظمة بالإجماع. ولكن هذه الأنظمة لن تجد طريقها إلى التنفيذ إلا بتأمين الموارد المالية التي تحتاجها (…).
– “لوموند”: ما هي الأرقام الحقيقية للنساء المعنّفات؟
– آني غلبرتو: في عمله الأخير أحصى “المرصد الوطني للشغب” عن عام 2009 أن 305000 امرأة تعرضت للعنف في منزلها الزوجي، وأن 445000 منهن تعرض للعنف خارج الإطار الزوجي. وفي غالبية الحالات، فإن مرتكب العنف هو شخص قريب من الضحية، من محيطها، من العائلة أو الأصدقاء أو زملاء العمل.
عام 2009 رصدت وزارة الداخلية 14 حالة وفاة ناجمة عن عنف منزلي، من بينها حالة 25 رجلاً (وبعضهم كان هو المبادر إلى العنف) وعشرة أطفال ضحايا الأم أو الأب.
ولكن علينا تجنّب تلك الفكرة الحتمية القائلة بأن الرجال، بطبيعتهم، أعنف من النساء، وبأن النساء أميَل إلى أن يصبحن ضحايا. صحيح أن معظم المعتدين كانوا معنّفين في طفولتهم، ولكن غالبية الأطفال الشهود على العنف أو المعرّضين له لن يصبحوا لاحقاً معتدين.
إن تعنيف النساء تجد مصدره في مجتمع ما زال بطريركياً، بالرغم من تطور القانون والذهنيات. وهذه الذهنية هي التي تسيّر السلوك. وتبقى التربية على احترام المساواة عملية ضرورية لتجنّب العنف.
– “لوموند”: صدر أخيراً كتاب عنوانه “أن تضرب لا يعني أن تحب”. وفيه مناقضة للاعتقاد الرائج بأن النساء اللواتي لا يهجرن شريكهن العنيف هن نساء سلبيات، أو يستمتعن بالضرب.
– آني غلبرتو: العنف، خصوصاً عندما يتجدّد، يغرق الضحية في الخوف والعزلة الاجتماعية والعائلية والتبعية النفسية، وأحياناً التبعية الاقتصادية بإزاء المعتدي. حرية قرار الضحية هي تحت السيطرة والوصاية، وهي لذلك مشلولة. البقاء بالنسبة لها مثل الجحيم، ولكن الرحيل أيضاً هو فراغ سحيق.
كلا النساء المعنّفات لا يستمتعن بالضرب. لا يجب أن نخلط بين الخضوع للتهديد والضرب وبين الرضا الطوعي بالعنف. في اللحظة التي تقرر فيها الضحية الرحيل، يجب تنظيم شبكة حولها، تعلمها بحقوقها وترافقها، وفي بعض الحالات، تحميها في أماكن آمنة، مع أطفالها. ربما لن تبقى الضحية أكثر من يومين في هذا المكان. لكن الرحيل النهائي عن المنزل يحتاج إلى تعلّم وتدرّج…
فعلاقة السيطرة لا تفكّ بسهولة. تحتاج الضحية إلى وقت لاستعادة الثقة بالنفس، وإعادة شبك العلاقات الاجتماعية والعائلية، والتعلم على أن تصبح صاحبة الدور الرئيسي في حياتها.
“المستقبل”







